إشكاليات الهوية والمواطنة والكيانية في السياقات الفلسطينية

شكّل زلزال النكبة (1948)، الذي تمثل بإقامة إسرائيل ونفي وجود الشعب الفلسطيني من الزمان والمكان، وولادة مشكلة اللاجئين، الحدث المؤسّس لتبلور الهوية الوطنية الفلسطينية، فتلك هي العناصر الأساسية المكوّنة للقضية الفلسطينية، بمعنى أن كل ما حصل بعدها هو نتيجة لها، أو واحد من تجلياتها، في الجانبين الرمزي والكياني.

وقد تأسّست الهوية الوطنية للفلسطينيين في ظروف صعبة، وقسرية، وفي إطار من القيودات والتعقيدات والتشوّهات، بمعنى أنها لم تنشأ بشكل طبيعي، ولم تنضج، أو تتطوّر، وسط ظروف ذاتية سليمة، سيما بخصوص تعبيرها عن ذاتها في علاقات مواطنة، لذا فهي في مساراتها المتأزّمة عايشت توترات وإشكاليات مختلفة، كما تعرضت لمحاولات تفكيك وإزاحة؛ لأسباب سنأتي على ذكرها لاحقا.

وقبل مناقشة تلك المسألة في بعدها الفلسطيني يفترض التنويه إلى الملاحظات الآتية:

أولاَ، إن الهوية، وتاليا الكيانية، هي معطى تاريخي، بمعنى إنها تنشأ في مرحلة تاريخيّة معينة، وتتوطّد، وتتطوّر، ثم قد تدخل في مرحلة الأفول أو التجاوز، مثل غيرها من الظواهر، بفعل عوامل خارجية أو داخلية، إذ لم توجد هويات عابرة للتاريخ ولن توجد، لأن العالم يتغير ويتطور باستمرار وكذلك، المجتمعات، والنظم السياسية، والمنظومات الثقافية والحضارية. ومثلا، فيما مضى كان ثمة إمبراطوريات، وبعده جاء عصر القوميات، ثم الدولة الأمة. في هذا الإطار يقول أريك هوبزباوم: “أنا مثل معظم الباحثين الجادين، لا أعتبر الشعب أو القومية ككيان أولي أو ككيان اجتماعي غير قابلين للتغيير، فهي تنتمي حصريا إلى فترة خاصة وتاريخية محددة.” (1)

ثانيا، تبعاً لما تقدم فمن البديهي أنه لا توجد هويات صافية، أو ثابتة، أو أبدية، بمعنى أن كل شخص، أو كل مجتمع، أو كل كيان، هو بمثابة ظاهرة مركّبة من عدة هويات، أو عدة طبقات من الهوية، قد تظهر هوية منها، في كل مرحلة، على حساب غيرها، في حين تظل باقي الهويات في حالة كمون، كما قد تغلب هوية ما في حين تضمر هوية أخرى. أيضا، قد تلعب بعض الظروف دورها في طمس هوية ما، وإظهار هوية أخرى. والفكرة هنا أن الإنسان الفرد، مثلا، يحمل في ذاته هويته العائلية، والمناطقية، والدينية، والطبقية، والقومية، والثقافية، والمهنية، والأيدلوجية…الخ. وكما نلاحظ فثمة هويات موروثة، وثمة هويات مكتسبة، كما ثمة هويات خارجة عن خيار الفرد، وهويات ناجمة عن خيارات أو انحيازات فردية.

ثالثا، في السياق ذاته، فإن الهويات هي محصلة تخليق لمخيال جمعي لروابط أو قواسم مشتركة لمجموعة من الناس، فهي إذا ظاهرة جمعية وليست فردية، إذ بدون ذلك المخيال الجماعي لا يمكن الحديث عن هوية ما، وهذا ما طرحه بندكت هندرسون في كتابه المميز: “الهويات المتخيلة، مع تأكيده أنها محدد وسيدة” (2)، بيد أن الأمر ليس بالمعنى الحرفي، إذ أن التخيل في تلك الحيثية ناجم عن واقع وثقافة وتاريخ معاش، وموروث، ومحركات وكيانات سياسية تنتج ذلك المخيال الجماعي.

رابعا، يفترض إدراك أن الهوية والكيانية والمواطنة تعني التطابق، أو التماهي، وليس الفصل أو الانفكاك، وهذا غير التجاوز، أو التمايز. يقول حسن حنفي: “يتداخل مفهوم الهوية مع مفهوم الماهية، فالهوية أن يكون الشيء هو هو وليس غيره. وهو قائم على التطابق أو الاتساق في المنطق، والمعنى واحد…الهوية خاصة بالإنسان والمجتمع…إنها …مشكلة نفسية وتجربة شعورية”…ويستدرك قائلا: ” قد تتحول الهوية إلى اغتراب، تنقسم الذات على نفسها، وتتحول مما ينبغي أن يكون إلى ما هو كائن، من إمكانية الحرية الداخلية إلى ضرورة الخضوع للظروف الخارجية بعد أن يصاب الإنسان بالإحباط…وضعف الإرادة، وخيبة الأمل، وتخل عن الحرية.”(3)

في الوضع الفلسطيني، فإن مفاهيم الهوية والكيانية والمواطنة تم النص عليها في “الميثاق الوطني الفلسطيني”، الذي اعتبر أن “فلسطين وطن الشعب العربي الفلسطيني، وهي جزء لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير، والشعب الفلسطيني جزء من الأمة العربية.” (م1) وأن “فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني وحدة إقليمية لا تتجزأ.” (م2)، و”الشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الحق الشرعي في وطنه، ويقرر مصيره بعد أن يتم تحرير وطنه وفق مشيئته، وبمحض إرادته واختياره.” (م 3) وأن “الشخصية الفلسطينية صفة أصيلة لازمة لا تزول، وهي تنتقل من الآباء إلى الأبناء.” (م 4). وفي تعريفه للفلسطيني جاء: “الفلسطينيون هم المواطنون العرب الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى عام 1947، سواء من أخرج منها أو بقي فيها، وكل من ولد لأب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ داخل فلسطين أو خارجها هو فلسطيني.” (م 5)، وأن “اليهود الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى بدء الغزو الصهيوني لها يعتبرون فلسطينيين.” (م 6). (4)

على ذلك فإن نقاشنا لمسأئل الهوية الوطنية، والكيانية، والمواطنة، يفترض أن يتطرق لفرضياتها ومساراتها ومداخلاتها وإشكالياتها، في الحالة الفلسطينية، على النحو الآتي:

أولا، تبلور الهوية الوطنية الفلسطينية ومعناها

منذ مطلع القرن العشرين ظل الفلسطينيون يعتبرون أنفسهم جزءا من مجتمع بلاد الشام، بحكم علاقات الجوار والروابط المجتمعية/الأسرية، والمصالح المتبادلة، وهو الوضع الذي شمل مجمل الحقبة العثمانية التي استمرت لأربعة قرون (حتى مطلع القرن العشرين). على ذلك فهم كانوا يعتبرون أنفسهم، عموما، كجزء من رابطة إسلامية أوسع، ومع صعود النوازع القومية، بخاصة منذ منتصف القرن العشرين، باتوا يعتبرون أنفسهم جزءا من الأمة العربية.

 في كل الحالات، فإن الهوية أو الكيانية السياسية لم تشغل بال معظم الفلسطينيين، ونخبهم السياسية والثقافية، قبل العام 1948، بدليل أن الهيئة العربية العليا تشكلت بناء على قرار من جامعة الدول العربية (بلودان 1946)، لإدارة كفاح شعب فلسطين ضد المشروع الصهيوني قبل إقامة إسرائيل، (5) وأن “حكومة عموم فلسطين” (6) احتاجت لموافقة عربية لقيامها، رغم توفر العامل الذاتي، بواقع إنها قامت وغابت بقرار عربي، مع ملاحظة أنه في تلك الفترة أيضا جرى ضم الضفة الغربية إلى الأردن، مع توفر عامل ذاتي لا يقل أهمية عن ذلك الذي أنشا حكومة عموم فلسطين، إذ ظهر مؤتمر غزة الذي أسس لحكومة عموم فلسطين، كأول محاولة كيانية فلسطينية، كمقابل لمؤتمر أريحا. (7)

النكبة كحدث مؤسس

هكذا، فقد شكّلت النكبة (1948)، والتداعيات الناجمة عنها، انكسارا في محاولات تأسيس هوية وطنية وكيانية سياسية طبيعية للفلسطينيين، إذ أدّت إلى تمزيق مجتمعهم، واغتصاب معظم أرضهم، وانهيار مؤسساتهم السياسية. مع ذلك فهي من جهة أخرى كانت، أيضا، بمثابة الحدث المؤسس لمسار تبلور هوية وطنية فلسطينية، مع ملاحظة أن ذلك تم على عكس من مقاصد إسرائيل الرامية لتغييبهم، إذ إن ذلك الحدث، الذي زلزل أوضاع الفلسطينيين، كأفراد وكشعب، خلق لديهم، أيضا، نوعا من ذاكرة مشتركة وسردية خاصة وصور متخيّلة، رغم كل ما أحاق بهم من تمزق ديمغرافي وجغرافي وسياسي وكياني.

وقد شهدنا أن الوطنية الفلسطينية، بمعناها الرمزي/ الهوياتي، أو بمعناها السياسي/ الكياني، لم تكن على تلك الدرجة المناسبة من النضج، في تلك المرحلة التاريخية الصعبة، التي تجعلها قادرة على الصمود، بالشكل المناسب، في مواجهتها لتجليات المشروع الصهيوني (قبل العام 1948)، أو التي تجعلها قادرة على فرض ذاتها في المعادلات السياسية العربية (بعد العام 1948)، بدليل اختفاء “حكومة عموم فلسطين”، بعد أشهر قليلة من الإعلان عنها، كما قدمنا، وبدليل عدم تمكّن الفلسطينيين من إدارة الأراضي التي بقيت بحوزتهم (الضفة والقطاع)، إذ تمّ ضمّ الضفّة الغربية إلى المملكة الأردنية الهاشمية، وأخضع قطاع غزة للإدارة المصرية.

بنتيجة النكبة، لم يعد للهوية ولا للكيانية أية تعبيرات أو تمثلات متعيّنة في الحياة الاجتماعية والسياسية للفلسطينيين، إذ تعرّض فلسطينيو 48، مثلا، لمحاولات “الأسرلة”، ما اضطرهم للتحايل على الواقع الناشئ بحمل الهوية الإسرائيلية، كشرط لبقائهم في أرضهم؛ مع ما يتطلبه ذلك من كبت نوازع الهوية الفلسطينية الناشئة، والتركيز على الحفاظ على عروبتهم، وكونهم جزءا من شعب أكبر.

بيد إن ما يجب التذكير به هنا، أيضا، أن ردّة الفعل على النكبة كانت معاكسة، كما ذكرنا، إذ أن إسرائيل لم تستطع طمس، أو تغييب، هوية الفلسطينيين الذين باتوا مواطنين إسرائيليين، أولاً، بسبب تمييزها ضدهم، ما فتح مسار “الفلسطنة” عندهم كرد فعل على هذه السياسة. وثانياً، لأن تمسّك الفلسطينيين بهويتهم كان أحد أشكال مقاومتهم للمشروع الصهيوني. وثالثا، لأن الفلسطينيين، الذين باتوا أقلية في إسرائيل، ظلوا يشعرون إنهم أكثرية في محيطها كجزء من شعب فلسطين، وأيضا، بحكم انتمائهم للرابطتين العربية والإسلامية.

وقد شهدنا تصاعد هذا المسار إثر قيام الحركة الوطنية الفلسطينية، وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية (1965)، ثم بعد احتلال إسرائيل للضفة والقطاع (1967)، كما شهدنا تعزّزه أكثر في مناخات الانتفاضتين الأولى والثانية (1987 و2000)، لكن دون أن يشكل ذلك قطعا أو انفصالا عن الهوية والكيانية الإسرائيلية لدى هذا الجزء من الشعب الفلسطيني؛ وهذه تعتبر إحدى أهم معضلات الهوية والسياسة، عند الفلسطينيين، وتشكل واحدة من أهم تقصيرات حركتهم الوطنية؛ التي لم تستوعب فلسطينيي 48 في صفوفها، ما يشكل أحد أخطائها، علما إن ذلك يحتاج إلى نقاش خاص.

أما فلسطينيو الضفة الغربية وشرق الأردن فباتوا مواطنين ضمن المملكة الأردنية، بكل ما يتعلق بذلك من استحقاقات، مع التمييز بين ثلاثة مراحل، الأولى، بعد النكبة، أي قبل ظهور العمل الفدائي، وهي تعني بالفترة (1948ـ1965). والثانية بعد ظهوره في منتصف الستينيات، وهي فترة قصيرة اختتمت بحوادث أيلول (1970) التي جرى فيها الاصطدام بين الوطنية الفلسطينية الصاعدة (مع فصائل الكفاح المسلح) والنظام الأردني، والتي نجم عنها إخراج الحركة الوطنية الفلسطينية من الأردن. والثالثة بعد تلك الفترة وحتى الآن، وقد اتسمت بطمس الهوية الوطنية لفلسطينيي الأردن، ونمو نزعة الأردنة، رغم كل الأحاديث عن وحدة الشعبين، ثم نجم عنها فك ارتباط الأردن بالضفة الغربية (بعيد الانتفاضة الأولى (1987 ـ 19993)، وتاليا إقامة الكيان الفلسطيني بموجب اتفاق أوسلو (1993).

وفيما يخص الفلسطينيين في بلدان اللجوء والشتات، حيث لم تحقق المجتمعات العربية بعد اندماجها المجتمعي/الوطني بعد، وحيث لم تتأسس النظم السياسية القائمة على دولة المواطنين، فقد عانوا (ولو بشكل مختلف ومتفاوت) من التمييز ضدهم، ومن محاولات التضييق، أو السيطرة، على التطورات الهوياتية والوطنية والسياسية عندهم. والمفارقة أن التمييز ضد الفلسطينيين كان يجري باسم الحفاظ على قضيتهم، كأن الحفاظ على هذه القضية يتطلب تأبيد معاناة الفلسطينيين، وعزلهم، بدل التخفيف من ذلك؛ وبذلك تم اصطناع هوية اللاجئ، وهي هوية بين بين، كما يقال، لكنها الهوية التي تأسست عليها الهوية الوطنية الفلسطينية، القلقة والمتوترة!

بنتيجة كل ما تقدم فقد استحوذ اللاجئون الفلسطينيون، في بلدان اللجوء والشتات على تعبيرات وتمثلات الهوية الفلسطينية، أكثر من غيرهم من التجمعات، بحيث باتوا بمثابة التعبير عن الكل، أي عن الشعب الفلسطيني. والمفارقة أن ذلك تم بصعوبة، أي على الرغم من أن هؤلاء لم يتح لهم التعبير عن هويتهم، بشكل قانوني وحقوقي، ولا بشكل تمثيلي /مؤسساتي أو كياني، في تلك البلدان، كما لم يتح لهم التعبير عن قضيتهم بشكل سياسي، باستثناء وضع لبنان، أي بعد أن أسست منظمة التحرير ما يمكن تسميته بدولة داخل دولة في هذا البلد (في الفترة من 1970 ـ 1982)، بمعنى إلى لحظة الغزو الإسرائيلي للبنان وإخراج منظمة التحرير بفصائلها ومؤسساتها وقواتها منه.

هكذا فقد انتظر الفلسطينيون ما يقارب عقدين من الزمن (بعد النكبة) كي يلتقطوا أنفاسهم، ويخرجوا من هول المفاجأة، بشأن ما أحاق بهم، ومن حال المعاناة والضياع والتشظّي، التي ألمّت بهم، وكي يبحثوا في خضم التقلّبات والاختلالات والتباينات السياسية العربية عن طريقهم الخاص، وهو ما تمثل، في منتصف الستينيات، بولادة حركتهم الوطنية، وكيانهم الوطني الجامع المتمثل بمنظمة التحرير الفلسطينية، وهي هوية بدون علاقات مواطنة وبدون كيان سياسي في إقليم مستقل.

تبلور الهوية الفلسطينية

في مسارها التاريخي فإن تبلور الهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة، بمعناها الهوياتي والكياني والسياسي، مدينة في شكل أكبر (بين عوامل أخرى) لحركة “فتح”، كونها صعدت مع صعود هذه الحركة، التي صاغت وكرست الأفكار والرموز التأسيسية لهذه الوطنية. أيضا، وبقدر ما في ذلك من صدقية ربما يجوز القول إن تفكّك، أو أفول “فتح” (بالمعنى السياسي)، أدى، بين متغيرات أخرى، إلى تفكّك أو تصدع تلك الوطنية؛ بمعناها الهوياتي والكياني والسياسي أيضاً؛ وهو ما سنأتي عليه لاحقا.

في الواقع فإن حركة فتح، وبسبب من نمط تفكيرها الشعبوي، ومبادرتها للكفاح المسلح، وكونها حركة وطنية تعددية، أي غير حزبية وغير أيدلوجية، استطاعت أن تضطلع بدور رئيسي في بلورة الهوية الوطنية للفلسطينيين، على حساب التيارات القومية والإسلامية  واليسارية. فهي التي طالبت باستعادة زمام القضية من الأنظمة العربية، وهي التي رفعت لواء رفض الوصاية، واستقلالية القرار الفلسطيني، وأعلنت أولوية البعد الوطني (في الصراع ضد إسرائيل) على البعد القومي. وهي التي صكّت مقولات من نوع “التحرير طريق الوحدة”، و”لا وصاية ولا تبعية ولا احتواء”، وهي التي، من أجل ذلك، تورطت باحتكاكات مع الأنظمة السائدة كلّفتها كثيرا في الإطار العربي، ما فرض اعتبار منظمة التحرير (التي باتت تقودها فتح) ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني (1974)، وأدى إلى فك الأردن لارتباطه مع الضفة الغربية (1988)؛ من دون أن نغفل مسؤولية هذه الحركة (أي فتح)، بطريقة عملها، وسياساتها، عن التداعيات السلبية لكل ذلك.

المعضلة أن الهوية الوطنية الفلسطينية، التي استنهضتها فتح، نشأت مأزومة، من الناحيتين الموضوعية والذاتية، ليس فقط بسبب تأخّرها (بمسافة ثلاثة عقود) عن مشاريع الوطنيات والكيانات العربية، وليس بحكم عدم التكافؤ في صراع موازين القوى، بينها وبين المشروع الصهيوني المتأسس على تغييب الشعب الفلسطيني ومحو هويته، فحسب، وإنما، بسبب افتقاد هذا المشروع لإقليمه (الجغرافي) الخاص، ولحيزه الاجتماعي المتعين، ولتمثيلات علاقات المواطنية، أيضاً؛ وذلك ليس تفصيلا زائدا، وإنما مكونا أساسيا، في إنتاج أية هوية وطنية، ولا سيما إذا تعلق الأمر بترسيخها واستمرارها وتطويرها.

وتبع ذلك أن الهوية الفلسطينية، وكذلك الوطنية الفلسطينية، المعاصرة تأسست وتبلورت، أصلاً، على مجتمعات اللاجئين المتوزعة في مخيمات متفرقة وفي بلدان مختلفة، لا تواصل بينها، بدفع من مسارين اثنين: أولهما، كردة فعل على النكبة وما نتج منها، من اقتلاع من الأرض، وتشريد من الوطن، وقطع للمسار التاريخي للحياة الاجتماعية. وثانيهما، نجم عن تعريفهم كآخر، أو كلاجئين، أو كضيوف موقتين في بلدان اللجوء (العربية)، مع ما تضمن ذلك من انتقاص في الحقوق، وفي المعاملات التمييزية إزاءهم. وبديهي، فإن وطنية، أو هوية، تفتقر الى مجالها الاجتماعي والجغرافي، وتخضع لسيادات مختلفة، لا بد من أن تكون معرضة لاهتزازات وتفككات، لا سيما إذا ضعف، أو ارتهن، حاملها السياسي.

وقد ظهر بنتيجة هذا النشوء الملتبس، أو المعقّد، عاملان آخران لعبا دوراً مقرراً في هذا الاهتزاز. فالوطنية الفلسطينية لم تتعمد في مسار الصراع مع إسرائيل، فحسب، وإنما، أيضاً، في مسار الاحتكاك السلبي (الحامي وأحياناً الخشن وفي بعض الأحيان الدامي)، مع بعض “الوطنيات”، أو السلطات العربية؛ لأسباب متفاوتة.

ومن جهة أخرى، فإن الوطنية الفلسطينية وجدت نفسها في تنازع مع البعد العربي، من الناحية السياسية (الوظيفية)، وليس الهوياتية؛ إذ لا خلاف في هذا الشأن على عروبة شعب فلسطين، بقدر ما ليس ثمة تعارض بين الهويتين الوطنية والعربية. وعليه، فإن هذين العاملين السلبيين، الاحتكاك والتنازع، أسهما، أيضاً، في تعثر الوطنية الفلسطينية، وإعاقتها، وتأزمها، لا سيما في زمن التوظيفات والانحيازات السياسية والسلطوية المتضاربة.

هكذا لم يعمل الزمن تماماً لمصلحة الوطنية الفلسطينية، التي نشأت في زمن صعود الدولة الأمنية، أو التسلطية، العربية، وخارج حيزها الجغرافي والاجتماعي الخاص، والتي تأسست على الاعتماد على الموارد الخارجية، أكثر من اعتمادها على موارد شعبها، في ظروف اختلال موازين القوى والمعطيات الدولية والإقليمية لمصلحة عدوها.

ولعل معضلة القيادة الفلسطينية (وهي هنا قيادة المنظمة وفتح، والسلطة أيضا فيما بعد) إنها سرعان ما وجدت نفسها معنية بطي شعاراتها لمصلحة التماثل السياسي مع النظام الرسمي العربي، ومع مقررات الشرعية الدولية في شأن قضية فلسطين. ومعلوم أن هذا التماثل تطلب مراجعة الأفكار المؤسسة للهوية وللوطنية الفلسطينية، سيما ما يتعلق منها بوحدة الأرض والشعب والقضية والرواية التاريخية، الأمر الذي تم في إقرار البرنامج المرحلي (1974) القاضي بإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع (مع حل قضية اللاجئين وفق منظور القرار 194)؛ وهي المسارات التي أفضت، فيما بعد، إلى عملية التسوية في مؤتمر مدريد (1991)، وبعده اتفاق أوسلو (1993).

على رغم ذلك، فإن القيادة السائدة استطاعت تغطية هذا التحول (التماثل والمراجعة)، أو حجب أبعاده أو مخاطره، بحكم مكانتها النضالية الرمزية، وادعائها مواصلة المشروع الوطني، والمقاومة، وبحكم طبيعة السياسات الإسرائيلية المعادية على طول الخط للحقوق الفلسطينية.

المغزى أن هذا التحول كان بمثابة الثمن، أو الطريق، الذي لا بد منه لتعويم الوضع الفلسطيني، في نوع من مساومة لجأت إليها تلك القيادة للحفاظ على وضعها (كأي سلطة مهيمنة)، ولو بثمن مراجعة الأفكار التأسيسية والتضحية بالمنجزات الوطنية، والنكوص عن المشروع الأصلي؛ وهو ما اتضح في مجمل التحولات اللاحقة، وما ميز سلوكيات القيادة الفلسطينية، من مؤتمر مدريد (الالتفاف على وفد فلسطينيي الداخل)، إلى عقد اتفاق “أوسلو” (حيث ضُيّعت المنظمة وتماهت “فتح” مع السلطة).

الأنكى من كل ذلك أن الحديث عن العقلانية والموضوعية والواقعية تجاهل (عن قصد أو من دونه)، واقع أن التحولات السياسية والبنيوية في جسم الحركة الفلسطينية إنما غذّت، ولا زالت، مشروعاً سياسياً آخر، يختلف عن المشروع الوطني الأصلي، كما أسسته “فتح”، وانبنى على وحدة الشعب والأرض والقضية؛ ما ستكون له نتائج خطرة، على قضية فلسطين وشعبها وحركته الوطنية؛ كما كشفت في التجربة. ويمكن تبيّن بعض مظاهر ذلك، في هذه المرحلة، في إعلاء شأن كيان السلطة (في الضفة وغزة)، على حساب المشروع الوطني، وعلى حساب منظمة التحرير الفلسطينية. وإننا في الوقت الذي نشهد غياباً مريعاً للمؤسسات الوطنية الجامعة لكل الفلسطينيين، نشهد نمواً للبنى المؤسسية التي تمثل أو تخدم فلسطينيي الأرض المحتلة حصراً. كما يمكن تمثل ذلك بحال الضياع، والتوهان، والتمايز في المرجعيات والسرديات والرؤى، بين فلسطينيي الأرض المحتلة، والفلسطينيين اللاجئين، وفلسطينيي 1948، وفلسطينيي الأردن.

سجال القومي والوطني

لم يكن تقدم “فتح” بمشروع الوطنية الفلسطينية سهلا، إذ وقتها كان ثمة تيارات قومية ويسارية وإسلامية سائدة، مع ذلك فقد استطاعت تلك الحركة بسبب من الميزات التي تحدثنا عنها، ثم بسبب هزيمة حزيران (يونيو 1976)، أن تستحوذ على شعبية واسعة لصالحها كحركة، ولصالح مشروع الوطنية الفلسطينية. ولعل هذا يفسّر، أيضا، تفكّك “حركة القوميين العرب” إلى حركات وطنية، وتحول جورج حبش زعيم تلك الحركة نحو إقامة “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”؛ في زمن “الناصرية”.

ويلفـــت الانتباه أن وجهات النظر “القومية”، التي كانت تدّعي عدم مشروعية الوطنية الفلسطينية، والتي تخطّئ، أو تناوئ، استقلالية القرار الفلسطيني، غالبا ما تغفل خصوصيات الوضع الفلسطيني، وضمن ذلك أن الواقع العربي، على صعيدي الحكومات والمجتمعات، لا يعيش في الزمن القومي، ولا يتجه نحوه، وإنما في زمن الوطنيات، وحتى ما قبل الوطنيات. فالمجتمعات لم تصل بعد إلى مرحلة الاندماج الوطني، بدليل حال الانشطار والتشظّي الظاهرة، والكامنة، فيها، على صعيد البلد الواحد، أما الحكومات فكل يغنّي على ليلاه أو بترسيخ سلطته.

وما يفاقم هذا الوضع غلبة السلطة على الدولة، في الدولة العربية السائدة، نظرا لغياب مرتكزات الدولة الحديثة، أي دولة الدستور والقوانين والمؤسسات والمواطنين (هذا دون أن نذكر الديمقراطية أو تداول السلطة). وبهذا المعنى ربما أمكن اعتبار “الوطنية الفلسطينية” بمثابة حالة “ثورية” في الواقع العربي، إن جاز التعبير، على الأقل في مرحلة البدايات، وبغضّ النظر عن المآلات التراجيدية لهذه الحالة؛ التي لها علاقة بطبيعة إدارة الوضع الفلسطيني، والمداخلات العربية فيه.

فوق ذلك، فإن حضور البعد الفلسطيني في الصراع ضد إسرائيل شكّل تقويضا لإحدى مرتكزات المشروع الصهيوني، الذي تأسّس على تغييب الشعب الفلسطيني، بمعنى أنه حضور نضالي، فضلا، عن أنه لا يمكن التعاطي مع قضية فلسطين باعتبارها مجرد قضية قومية، أي قضية دور وظيفي (“إمبريالي”) لإسرائيل، في المنطقة العربية، وفقط، حيث ثمة، شعب بعينه، أيضا، جرى اقتلاعه من أرضه، وحرم من هويته وحقوقه الوطنية، ثم ثمة أبعاد أخرى لهذه القضية، ضمنها طابع إسرائيل كدولة استيطانية وعنصرية (تبعا للدين)، استطاعت أن تبني دولة ومجتمعا يعيدا إنتاج ذاتهما.

وبغضّ النظر عن إشكاليات تكوّن الأمة العربية، وعدم تجسّدها في دولة، فإن الحديث عن هوية فلسطينية لا يتناقض مع الهوية العربية، ولا يحل محلها، بل يدخل في عوامل تكونها وتميزها وتبلورها؛ في نقيض للنظرة القومية الجامدة والشمولية والمطلقة للهويات، ولتشكل الأمم. هكذا فثمة هويات كبرى وصغرى، وأساسية وفرعية؛ ويمكن للمرء أن يكون فلسطينيا وعربيا، كما أن يكون بدويا ومسلما أو مسيحيا وفلسطينيا وعربيا في آن.

ثانيا، التأزّم الهوياتي والكياني الفلسطينيين

لعل أهم إشكالية رافقت الهوية الوطنية الفلسطينية إنها لم تتلازم، أو لم تتطابق، مع الكيانية الفلسطينية، ليس بالنسبة لإطارها الجغرافي فقط، وإنما حتى بالنسبة لإطارها السياسي، الذي تمثل بمنظمة التحرير الفلسطينية، أو ذلك الذي تمثل فيما بعد بإقامة السلطة الفلسطينية وفقا لاتفاق أوسلو (1993).

ثمة عديد من الأسباب التي أسهمت في تأزّم الهوية والكيانية عند الفلسطينيين، أهمها:

أولا، طابع إسرائيل التي قامت في معظم أرضهم التاريخية (1948)، كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية، وعلى أساس نفي الشعب الأصلي (الفلسطينيين) وإزاحتهم من المكان والزمان، أو من الجغرافيا والتاريخ، وإحلال يهود من كل بلدان العالم كمستوطنين مكانهم. هكذا فإن الفلسطينيين لم يستطيعوا تحقيق هويتهم، أو ذاتهم الوطنية، أو مواطنيتهم، في كيان سياسي متعيّن في إقليمهم الخاص، أو في إقليم محدد، أسوة بالسوريين واللبنانيين والأردنيين والعراقيين، مثلا.

ثانياً، ممانعة النظام الرسمي العربي محاولتهم إقامة كيان مستقل لهم، كما حصل مع تجربة حكومة “عموم فلسطين”، إذ إن أطراف ذلك النظام، التي لم تستطع شيئا إزاء التحدي الذي فرضته إسرائيل عليها في المنطقة، آنذاك، لجأت إلى كبح، أو تقييد، “الوطنية” والكيانية الفلسطينيتين، فضلا عن التلاعب بهما في بعض الأحيان. وبهذا المعنى فإن الهوية الوطنية الفلسطينية نشأت كردّ فعل، أيضا، على السياسات التي انتهجها إزاءهم النظام الرسمي العربي، والمتمثلة بطمس وجودهم وتهميشهم سياسيا واجتماعيا، وعدم تمكينهم من إقامة كيان لهم في باقي أراضيهم، أي الضفة والقطاع) التي لم تسلب منهم بنتيجة إقامة إسرائيل؛ وتاليا إحلالهم للاجئين في مكانة المقيم المؤقت، فلا هو مواطن، ولا هو مقيم ذو تابعية معينة.

ثالثا، تنبع مشكلة الفلسطينيين الهوياتية والكيانية، أيضا، من التأزّم الهوياتي والكياني الذي تكابد منه مجتمعات ودول المنطقة، نتيجة التنازع بين الهويات الأولية (المذهبية والطائفية والأثنية والعشائرية) والهويات الوطنية الناشئة، ونتيجة ضعف مبنى الدولة، التي لم تترسّخ، أو لم تنضج، باعتبارها كيان سياسي جامع، على شكل دولة مواطنين متساوين، بقدر ما ترسخت باعتبارها سلطة، أكثر من كونها دولة، مقابل رعية، وليس إزاء مواطنين.(8) والمعنى من ذلك أن حال الفلسطينيين، الذين تفرّق شملهم وحرموا من كيان خاص بهم، ليس أكثر بؤسا، بكثير، من حال أشقائهم من المواطنين في البلدان العربية الأخرى، في مجالي الهوية والكيانية.

رابعاً، إذا أضفنا إلى كل ما تقدم المسار التاريخي لتبلور الوعي بالهوية الوطنية الفلسطينية، كهوية مستقلة، إزاء الهويات الأخرى، السورية، كجزء من سوريا الكبرى، أو بلاد الشام، والعربية، كجزء من الانتماء إلى الأمة العربية، سنجد أن الهوية الوطنية الفلسطينية نشأت ملتبسة، وزادت من ذلك التعقيدات الجديدة؛ المتمثلة بتجزئة الفلسطينيين إلى أجزاء متعددة ومختلفة، بنتيجة الأمر الواقع، أو بنتيجة العجز عن تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية، أو بنتيجة الانخراط في مشروع التسوية، كما حصل في إقامة كيان فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة وفقا لاتفاق أوسلو، وهو اتفاق مجحف وينتقص الحقوق الوطنية الفلسطينية.

خامسا، ظل النقاش بشأن “الوطنية الفلسطينية”، وضمنها العلاقة بين البعدين الوطني والقومي يحتل مكانة بارزة في السجالات الفلسطينية، كما بينا سابقا. وبغض النظر عن دلالاته، وأغراضه، فإن هذا النقاش يستمد مشروعيته من تأزّم الفكر السياسي القومي، وتعثّر المشروعات الدولتية الوطنية، وضعف مناحي الاندماج المجتمعي، في المنطقة العربية، ومن طبيعة الوجود الإسرائيلي في هذه المنطقة، وتداخل البعدين الفلسطيني والعربي، في مواجهة هذا الوجود، كما من السلبيات والالتباسات التي أحاقت بطريقة إدارة القيادة الفلسطينية لخياراتها السياسية الوطنية.

سادسا، منذ انطلاقها، في منتصف الستينات، تعاطت الحركة الوطنية الفلسطينية مع مفهوم وحدة الشعب الفلسطيني انطلاقاً من بديهية الشعب الواحد، باعتبارها بديهية مطلقة، وثابتة، من دون أن تلحظ أو تدرك أبعاد ومخاطر تمزق المجتمع الفلسطيني وتداعيات ذلك، سيما مع خضوعه لأنظمة سياسية ولمحددات قانونية مختلفة، ومع قيام كيان سياسي لفلسطينيي الضفة وغزة، وتهميش منظمة التحرير. وبديهي أن ذلك قد تفاقم أكثر بسبب أنها، أيضاً، لم تستوعب كل الفلسطينيين في إطاراتها، إذ تم منذ البداية استثناء فلسطينيي 48، الذين بقوا في أرضهم، إضافة إلى أنها عرفتهم بدلالة مواطنيتهم في إسرائيل، وليس بدلالة انتمائهم لشعبهم، كأن لهؤلاء قضية، وسيرة تاريخية، مختلفة.

في المحصلة فقد برزت الهوية الوطنية للفلسطينيين، بشكل شائك ومعقد ومشوّه، ولكن في السياق ذاته لصعود الهويات الوطنية، وقيام الدول العربية، وليس الدولة العربية الواحدة (وهنا نتحدث عن الوطنية وليس “القومية”، وعن الشعب في دولة وطنية وليس “الأمة” بالمعنى القومي الذي يشمل العالم العربي ولا بمعنى الدولة الأمة أي دولة المواطنين).

بعد التسوية بعد أوسلو

في المحصلة فإن مسار صعود الهوية الوطنية الفلسطينية تعرض لاهتزازات، مع التحول في البرنامج الوطني الفلسطيني، من خيار التحرير إلى خيار إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، ومن الارتكاز على رواية النكبة (1948) إلى الارتكاز على الرواية المتعلقة باحتلال إسرائيل للضفة والقطاع (1967)، ولكنها تعرضت لقطع، أو لتصدع، بعد إقامة كيان السلطة الفلسطينية بنتيجة المفاوضات ووفق اتفاق أوسلو (1993)، أي من دون إنجاز هدف دحر الاحتلال، والتحرر من الوجود الاستعماري لإسرائيل ومستوطناتها في الأراضي المحتلة، ومع إبقاء الكيان الفلسطيني كسلطة، تحت سلطة الاحتلال، في مستوى حكم ذاتي.  

تبعا لذلك فقد أضحت الهوية الوطنية والكيانية السياسية للفلسطينيين تتعرضان لتحدّ كبير، ولامتحان تاريخي، ما يتمظهر بنوع من التأكل والضمور والتشظي، كما بنوع من التحول، بسبب غياب هدف وطني جامع للفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، وبواقع ضمور المؤسسات الموحدة لهم، والمؤسسة لهويتهم، من منظمة التحرير إلى الفصائل إلى المؤسسات المركزية والمنظمات الشعبية الأخرى، بخاصة أن الكيان الفلسطيني يفتقد لمقومات الحياة، ويعتمد في بقائه على عوامل السيطرة والسلطة، المتمثلة بالقوى الأمنية والمساعدات الخارجية والموقف الإسرائيلي منه، ما يضعف من صدقيته الوطنية.

ويستخلــص مــــن ذلك أن تأزّم “الهوية الوطنية الفلسطينية” هــو تحصيل حاصـــــل لحال التشتت المجتمعي، وإخفاق حركة التحرر في مهماتها، وغياب هـدف وطني جامع للفلسطينيين. كما هو نتاج للتأزم في تبلور الوطنية الدولتية والمجتمعية، في المنطقة العربية، وتأزم العملية الوطنية في مواجهة المشروع الصهيوني، بما هو عليه كمشروع استعماري استيطاني وإحلالي وعنصري، وبحكم تمتع إسرائيل بعناصر الغلبة في موازين القوى والمعطيات العربية والدولية.

ثالثا، مشكلة الافتراق أو التطابق الهوياتي

كما قدمنا، فقد تأسّست الهوية الوطنية الفلسطينية على واقع وبديهية أن الفلسطينيين شعب، لذا فإن منظمة التحرير، أي كيانهم السياسي الجامع، تأسست على ذلك أيضا، كما شهدنا في نصوص “الميثاق الوطني الفلسطيني”، بيد أن كل ذلك لم يأخذ في اعتباره انعكاسات خضوع الفلسطينيين لسيادات دول مختلفة ومتباينة، كأنظمة عربية لا توجد فيها حقوق مواطنة بمعنى الكلمة، أصلا، ما يزيد من تهميش هوية الفلسطينيين وحقوقهم في المواطنة كبشر، كما يأتي في ذلك وجود فلسطينيين في إسرائيل، أي تحت السيادة الإسرائيلية وفي إطار مواطنيتها، التي تميز بين مواطنين يهود ومواطنين درجة أدنى من الفلسطينيين، أي الشعب الأصلي في فلسطين.

 وقد اتضح، عبر التجربة، أن هذا التشكيل، أو هذا السياق الهوياتي والكياني لم يكن كاملاً، للأسباب التي ذكرناها، وضمنها، مثلا، ضعف قدرة الحركة الفلسطينية على ابتداع معادلات سياسية تمكّنها من استيعاب، وتمثل فلسطينيي 48 في إطاراتها، في شكل مباشر أو غير مباشر، بدعوى ظروفهم الخاصة، كمواطنين في إسرائيل، وللحفاظ على بقائهم في أرضهم، وتحسباً لأي رد فعل إسرائيلي.

طبعاً، قد يكون قد فات أوان الحديث عن ذلك، بعد كل ما مرّ من تطورات، فقد اختط فلسطينيو 48 مساراً خاصاً ومختلفاً، من نواح كثيرة، وحافظوا بأكبر قدر على مواطنيتهم في إسرائيل وكونهم جزءا من شعبهم الفلسطيني. مع ذلك فإن هذا لا يغطي حقيقة أن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تفكر في هذا الأمر، ولم تدرسه، وأنه كان بإمكانها إيجاد طرق وأطر مختلفة لتجاوز تعقيدات أو محاذير هذه المسألة، في مراحل لاحقة، وحتى بعد انتهاء زمن الكفاح المسلح في الخارج، والتحول من حركة تحرر الى سلطة.

المغزى أن التهاون، أو اللامبالاة، إزاء هذه القضية، التي تخص وحدة الفلسطينيين كشعب، ووحدة كفاحهم ومصيرهم، أدت فيما بعد الى شمول ذلك مجتمعاتهم الأخرى، أي اللاجئين مثلا، الذين باتوا خارج المعادلات الوطنية الكيانية، والمتعلقة بحقوق المواطنة، من دون إدراك ضررها على مفهوم وحدة الشعب، ومفهوم حق تقرير المصير، ووحدة القضية.

تصدع أحوال الفلسطينيين

للتذكير، فبعد النكبة دفعت الأنظمة العربية إلى التملص عن المسؤولية عن اللاجئين، والحديث يتعلق بعرب في بلاد عربية، وحتى لم تمنح الحماية للاجئين، ووقفت ضد شمول الولاية الأممية عليهم، وفقط وافقت على إدخال اللاجئين الفلسطينيين ضمن ولاية مفوضية جديدة تابعة للأمم المتحدة، هي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، التي تعمل لاسيما الآن الولايات المتحدة على تصفيتها أو تقليص خدماتها، وليس إلى مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، علما أن تلك المفوضية ذات بعد سياسي وحقوقي يتعلق بمعاملة اللاجئين وفقا لمعايير دولية وأخلاقية تلتزم القانون الدولي وحقوق الإنسان وحماية اللاجئين.

ففي قرارات الجامعة العربية، وضمنها القمم العربية، التي صدرت بين الأعوام 1952 و1964، تم تكليف كل دولة عربية أن تصدر وثائق سفر للاجئين على أراضيها، وطريقة معاملة اللاجئين على صعد التأشيرات والإعفاء من رسومها والإقامات وتجديد الوثائق وغيرها، وبعد ذلك، وفي قمة المغرب (1965) تمت صياغة التوجهات المتعلقة بالتعامل مع اللاجئين في الدول العربية من حيث الإقامة والتنقل والعمل، (9) وهي توجهات تميز ضد الفلسطينيين، وتقيد حقوقهم وتطلعاتهم، وضمنها تمكينهم من تنمية هويتهم والتعبير عن ذاتهم، وحتى في ذلك فقد اعترضت بعض الأنظمة، ضمنها لبنان.

فيما يخص مجتمع الفلسطينيين في الأردن، فقد انتهت، أو تقلصت كثيرا، تعبيرات وكيانات الوطنية الفلسطينية في الأردن، منذ بعد أيلول (1970)، ولم يقتصر هذا الأمر على انتهاء فعالية الفصائل، إذ شمل أيضاً انتهاء وجود المنظمات والاتحادات الشعبية الفلسطينية (الطلاب والعمال والمرأة والكتاب والمعلمين الخ)، كما المؤسسات ذات الطابع الإعلامي أو الخدمي.

اللافت أن هذا الوضع استمر، حتى الآن، رغم عودة الأحوال الى طبيعتها بين الأردن والمنظمة، لكن القيادة الفلسطينية استسلمت على ما يبدو للأمر الواقع ولم تحاول تغييره، في سياق إهمالها مجمل الإطارات الوطنية الفلسطينية. وربما كان بإمكان القيادة الفلسطينية طرح هذه القضية مع السلطات الأردنية، للوصول الى صيغ معينة ترضي الطرفين، بما لا يخل بمكانة المواطنة للفلسطينيين في الأردن، وباعتبار أن الحفاظ على الوطنية الفلسطينية يشكل مصلحة مشتركة للطرفين، وبخاصة أن الأمر لم يعد يتعلق بممارسة العمل المسلح، ولا بممارسة العمل السياسي الذي يمكن أن يمس النظام القائم.

وبشكل أكثر تفصيلا، وبمعزل عن التوتر في المواطنة، كفلسطينيين وأردنيين في ذات الوقت، وبين الهويتين الفلسطينية والأردنية، بخاصة في ظروف صعود العصبية الأردنية، فإن الفلسطينيين في الأردن يعتبروا مواطنين، وهذا ما يميزهم عن مجتمعات اللاجئين الأخرى، في سوريا ولبنان والعراق ومصر.

ويرى الباحث في شؤون اللاجئين ناهض زقوت فإن الأردن تعامل “مع اللاجئين الفلسطينيين وصنفهم إلى فئتين؛ الأولى الذين لجأوا لها بعد عام 1948 ولهم حقوق كاملة، وأصبحوا جزءاً من الشعب الأردني، وحصلوا على الجنسية الأردنية الكاملة، ويحق لهم ما يحق للمواطن الأردني، والفئة الثانية الذين نزحوا بعد عام 1967 وجلهم من قطاع غزة ويسمح لهم بالإقامة، وبالنسبة للوضع المعيشي بشكل عام للفئتين فهو أفضل منه في كثير من المناطق التي يعيش بها اللاجئون الفلسطينيون”. وأشار أنه “بين عامَي 1954 و1964 استبدل سكان المخيمات الفلسطينية في الأردن الخيام ببناء مساكن من الطين اللبن، وزودتهم الأونروا بالسقوف، وعلى مر السنين، عمل اللاجئون على استبدال تلك المساكن بمساكن إسمنتية، وأصبحت المخيمات اليوم تحاكي أحياء حضرية في الأردن.” (10)

في لبنان كان الوضع أكثر قساوة وصعوبة على اللاجئين الفلسطينيين، بين باقي بلدان اللجوء، إذ أن هذا البلد، بحكم نظامه المبني على الطائفية، انتهج سياسات تمييزية بحق اللاجئين، إلى درجة حرمانهم من العمل في عشرات المهن، وما زال ذلك ساريا، أي المنع، حتى اليوم، أي بعد 73 عاما على النكبة، ناهيك عن أوضاع المخيمات البائسة جدا. وبخصوص تحفظ لبنان على قرارات الجامعة العربية بخصوص معاملة الفلسطينيين، رغم قيوداتها، فقد أدخلت نصا على قرار قمة المغرب في هذا الشأن جاء فيه: التي وضعت تحفظا يقول: “بقدر ما تسمح به أحوال الجمهورية اللبنانية الاجتماعية والاقتصادية يُعطى الفلسطينيون المقيمون حاليا في أراضيها الحق في العمل والاستخدام أسوة بالمواطنين وضمن نطاق القوانين والأنظمة المرعية الإجراء”، كما اشترطت لجهة الحق بالدخول الى الأراضي اللبنانية الحصول مسبقا على سمة دخول من السلطات اللبنانية المختصة” (11)

والجدير ذكره، أنه في النصف الثاني من السبعينيات، كانت منظمة التحرير بمثابة سلطة في لبنان، وكان بإمكانها في حينه الضغط من أجل استصدار قرارات، من مجلس النواب، تضع حداً للقوانين الجائرة بحق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والمتعلقة بالتعليم والعمل والتنقل، أي بما يخص الشؤون المدنية، أو المتعلقة بحقوق الإنسان، لكنها في غمرة انهماكها بأوضاعها كمقاومة، وتغليبها السياسة والعسكرة، لم تفعل شيئا من ذلك.

وفي الواقع فإن هذا التجمع للاجئين دفع ثمن صعود الكفاح المسلح الفلسطيني وثمن هبوطه، كما دفع ثمن أفول منظمة التحرير الفلسطينية. إذ إن خروج منظمة التحرير، بقياداتها وفصائلها ومؤسساتها من لبنان، إثر الاجتياح الإسرائيلي (1982)، أدى الى تداعيات خطيرة عليهم، وهو ما تمثل بمجازر صبرا وشاتيلا، وحروب المخيمات، واستمرار التمييز ضدهم. وفي كل الأحوال فإن مساهمة مجتمع الفلسطينيين في لبنان في العمل الوطني الفلسطيني، باتت هامشية، ما ينطبق على كل مجتمعات الفلسطينيين في الخارج، سيما بعد انتقال القيادة الفلسطينية إلى الداخل وإنشاء السلطة في الضفة وقطاع غزة.

أيضاً، وبعد الغزو الأميركي للعراق (2003)، ومع الطبقة الحاكمة التي أتت على ظهر دبابة أميركية، محمولة بنزعة طائفية – مذهبية، تعرض مجتمع الفلسطينيين الى نوع من الاضطهاد والتنكيل، ما اضطرهم الى ترك العراق، والتشرد مجدداً. وعليه بات فلسطينيو العراق يعيشون في مخيمات مزرية على الحدود العراقية – الأردنية أو العراقية السورية، إلى أن وجدت لهم مناف جديدة.

يفيد التنويه هنا بأن هذا التجمع للاجئين الفلسطينيين لم يتم إدراجه ضمن سجّلات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، بسبب رفض الحكومة العراقية لذلك، مع تعهدها بالإشراف الكامل على شؤون الفلسطينيين، وتقديم كافة المساعدات مقابل عدم دفع العراق أي مبالغ للوكالة. وبشكل عام فقد أتاحت الحكومة العراقية للفلسطينيين على أراضيها، فرص التعليم، ومجانية الصحة، وحق التوظيف في كافة الوزارات ما عدى وزارة الدفاع والداخلية. أمّا من الناحية القانونية، فقد بقي وضع اللاجئين الفلسطينيين ملتبساً. ففي العام ١٩٦١ صدر قرار من الحكومة العراقية يقضي بمنح الفلسطينيين وثائق سفر، وفي سنة ١٩٦٤ صدر أمر بمعاملة الفلسطينيين معاملة العراقي باستثناء الحق في منح الجنسيّة والتملّك، وفي سنة ١٩٦٥ أصدر قرار بإلغاء كلمة لاجئين من كافة الوثائق الرسمية الممنوحة لهم، ثم صدر القرار ٢٠٢ لسنة 2001، والذي ساوى اللاجئ الفلسطيني بالمواطن العراقي بكافة الحقوق والواجبات باستثناء الحقوق السياسية، وذلك بعد المرور التدريجي بعدّة مراحل، بعد ذلك حصل تهجير قسري للاجئين الفلسطينيين، بعد عمليات تنكيل وقتل ارتكبته بحقهم الميلشيات الطائفية المسلحة التابعة للأطراف الحاكمة. (12)

أما فيما يخص الفلسطينيين اللاجئين في سوريا، فهؤلاء منذ الخمسينيات تتم معاملتهم كسوريين، في الإقامة والتعليم والعمل والخدمة العسكرية، أي فيما عدا حق الانتخاب والترشيح، وهم يستطيعون التعبير عن هويتهم الوطنية وفق محددات تتعلق بسياسات النظام القائم. (13)

 في السنوات السابقة، وبعد الانفجار السوري، تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، في المخيمات وخارجها، إلى ما تعرض له السوريين في مختلف المناطق السورية. لذا ثمة كارثة مهولة أدت إلى تدمير معظم مخيم اليرموك، الذي كان يعتبر بمثابة عاصمة للفلسطينيين في الخارج، وغيره من المخيمات، وبنتيجة ذلك اضطر عشرات ألوف الفلسطينيين إلى المغادرة إلى لبنان والأردن وتركيا والعراق والبلدان الأوروبية. (14)

وفي ذلك تكون الدائرة المتعلقة بتفكيك مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين قد اكتملت، ما يفقد الحركة الوطنية الفلسطينية أحد اهم مبررات وجودها، وأحد أهم مصادر قوتها، وسرديتها التي تأسست عليها هوية الفلسطينيين كشعب.

يستنتج من كل المعطيات أن ثمة خشية من تحول الفلسطينيين إلى فلسطينيين كثر، إن جاز التعبير، على شكل فلسطينيي 48، وفلسطينيي الضفة والقطاع (الأراضي المحتلة 1967)، والفلسطينيون اللاجئون، وثمة بين هؤلاء وضعا خاصا للاجئين في الأردن الذين باتوا مواطنين.

الأنكى انه ومع تهميش منظمة التحرير، التي تعتبر بمثابة كيان سياسي جامع للفلسطينيين، في كافة أماكن تواجدهم (وهذا لم يشمل الفلسطينيين في إسرائيل)، ومع اختزال مشروعهم الوطني بسلطة في حيز جغرافي من فلسطين، من دون صلة بمضامين هذا المشروع من النواحي السياسية والثقافية، ومن دون صلة بأية رؤية مستقبلية للتطورات في هذه المنطقة، بات لكل تجمع فلسطيني رؤيته، أو أجندته الخاصة.

هكذا، مثلا، ذهب فلسطينيو 48 نحو الكفاح ضد العنصرية ومن اجل حقهم في المساواة في إسرائيل وفي التعبير عن ذاتهم وعن هويتهم، كجماعة قومية في دولة مواطنين، إلى جانب دفاعهم عن حق شعبهم في الحرية والاستقلال، مع وجود خلافات أو تعبيرات متباينة بهذا الخصوص. وبالمثل فإن الفلسطينيين في الضفة والقطاع بدورهم بذلوا الكثير من التضحيات من اجل دحر الاحتلال من أرضهم ومن اجل نيل حقهم في “الحرية والاستقلال” في دولة مستقلة. أما الفلسطينيون اللاجئون، الذين تحمّلوا عبء النهوض االوطني (1965ـ1982)، ويخضعون لسلطات عربية متباينة، والذين باتوا يشعرون بالتهميش جراء تغييب منظمة التحرير، وجراء التركيز على هدف إقامة الدولة المستقلة ما فهم منه أن ذلك يتم على حساب حقهم في العودة، فباتوا يشعرون إنهم أضحوا على هامش المشروع الوطني، لاسيما انه ليس ثمة صلة أو توسّطات أو إطارات تربطهم بالسلطة.

على ذلك ثمة معضلة هنا إذ ليس ثمة تطابق بين الكلام المرسل عن الشعب (من الناحية النظرية) وبين حدود المشروع الوطني المطروح الذي يختزل هذا الشعب، في الممارسة السياسية، بالضفة والقطاع المحتلين.

ومن دون التقليل من أهمية الجهود الرامية لانتزاع الاعتراف الدولي بحق الفلسطينيين في إقامة دولة لهم، ولو في الضفة والقطاع المحتلين (1967)، باعتبار ذلك تحجيما لإسرائيل، من الناحيتين الجغرافية والسياسية، وباعتباره خطوة باتجاه انتزاع باقي الحقوق، إلا انه ينبغي أيضا ملاحظة التداعيات التي يمكن أن تنجم عل ذلك، على مفهومي الهوية والكيانية للفلسطينيين، وعلى روايتهم المؤسسة.

ومثلا، فإن هذا الاعتراف سيطرح التساؤلات حول مفهوم، أو معايير، المواطنة في هذه الدولة؛ فماذا عن مواطني الضفة والقطاع المقيمين في الخارج منذ زمن؟ وماذا بالنسبة للفلسطينيين اللاجئين في سورية ولبنان ومصر والعراق؟ وماذا بخصوص الفلسطينيين اللاجئين في الأردن من مواطني المملكة؟ وماذا بالنسبة للفلسطينيين في إسرائيل؟

بمعنى أخر، وبفرض أن هذه الدولة ستمنح اللاجئين في الأردن ولبنان وسورية ومصر والعراق جنسيتها، وجواز سفرها، فماذا بالنسبة لحقوقهم المستلبة كلاجئين، وماذا بالنسبة لحقهم في العودة؟ ثم ماذا بخصوص الفلسطينيين من حملة الجنسية الأردنية؟ وأخيرا ماذا بالنسبة لحقوقهم كمواطنين؟ وماذا بشأن الفلسطينيين في إسرائيل؟ فهل سيكف هؤلاء، بعد إقامة الدولة عن كونهم فلسطينيين؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك فما هو المشروع الوطني بالنسبة للفلسطينيين حقا؟

ما يفترض إدراكه هنا أن ثمة ظواهر كثيرة تبعث على القلق في حال الفلسطينيين الذين يعيشون من الأساس في أوضاع سياسية وقانونية متباينة، وكوحدات مختلفة، أيضاً، في حاجاتها، ونمط عيشها، وتعليمها، وثقافتها، ومطالبها، وشكل تعبيرها عن ذاتها.

ثمة ثلاث مسارات ذاتية تفاقم هذا التمزق، وذلك التباين، أولها، غياب أو تغييب منظمة التحرير الفلسطينية، المفترض أنها الكيان الوطني لكل الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم. وثانيها، افتقاد الفلسطينيين لمشروع وطني جامع يمثلهم ويعبّر عنهم. وثالثها، إقامة سلطة فلسطينية في جزء من الأرض لجزء من الشعب مع جزء من الحقوق (تحت الاحتلال)، على حساب المنظمة، وعلى حساب السردية التاريخية المؤسسة للهوية الوطنية الفلسطينية والقائمة على النكبة، أي إقامة إسرائيل وولادة مشكلة اللاجئين (1948).

يستنتج من ذلك أنه لا يوجد شيء ثابت ومطلق ودائم بخصوص الهويات، ويغدو ذلك أكثر صعوبة، وخطورة، ومدعاة للقلق، في حال الشعوب التي لم تتجسّد ذاتها الوطنية بعد، كحال الفلسطينيين (الكرد يدخلون ضمن تلك الحالة أيضاً)، لا سيما أن ثمة شغلاً إسرائيلياً، مدعوماً من أنظمة عربية، أيضاً، ينحو نحو طمس الهوية الوطنية الفلسطينية، أو تجويفها، وهو الأمر الذي ازدادت خطورته بعد أفول منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت الباعث والحاضن لتلك الهوية.

ما يعزز مصدر القلق، أو التخوف، أن مسار تفكك مفهوم الشعب الفلسطيني، بات له أكثر من سبعة عقود (1948)، وقد ترتب عليه نشوء حاجات ومطالبات وسرديات جديدة، وإنه خلال تلك الفترة نشأت أجيال جديدة من الفلسطينيين، لم تعش تجربة النكبة، ولا تجربة منظمة التحرير، أو تجربة صعود الهوية الوطنية الفلسطينية (اتفاق أوسلو بات عمره 28 عاماً)، هذا كله مع أفول الإطارات الوطنية الجامعة، وهذا لا يقتصر على منظمة التحرير، إنما يشمل أيضاً المنظمات الشعبية الفلسطينية (من اتحادات العمال والمرأة والطلاب والكتاب والمعلمين والمهندسين والأطباء والفنانين)، كما قدمنا، وغياب مؤسسات فلسطينية (بالمعنى الوطني العام) ثقافية وإعلامية وتعليمية، وضمن ذلك عدم تبلور طبقة وسطى فلسطينية متجانسة، على أهمية هكذا طبقة في تجارب كل الشعوب، في استنهاض هويتها الوطنية والقومية، وحمل الهم العام.

رابعا، التحدي القادم الهوياتي والكياني

ثمة ضرورة لإدراك أن الحديث العمومي عن الشعب الفلسطيني، والهوية والوطنية والكيانية، وهو كلام مشروع، وله دلالاته المتعينة على مختلف المستويات، بات يخشى أن يدخل في باب المجاز أو الإنشاء، إذا أمعنا التفكير فيه، بعيداً من الرغبات الكامنة، أو البديهيات المطلقة، والتوظيفات السياسية، سيما إذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، والنأي عن المكابرة وإنكار الواقع القائم بتعقيداته ومشكلاته وتداخلاته.

نعم ثمة شعب فلسطيني لديه سردية تاريخية واحدة، وآمال مشتركة، لكن هذه الحقيقة لا يمكن أن تبقى مطلقة وثابتة وأبدية مع تعقيدات الواقع، والخضوع لأنظمة مختلفة، ومرور أكثر من سبعة عقود، ومع أفول منظمة التحرير، وتحوّل حركة التحرر الوطني الفلسطينية إلى سلطة، في جزء من أرض لجزء من الشعب مع جزء من الحقوق.

ويعتقد بعض المهتمين بمشكلات الهوية والكيانية، أنه ” لا يمكن أن نتوقع، اعتمادا على الروابط التي تجمع الناس بهوياتهم الإثنية أو الوطنية وحدها، الجماعة التي ستطور حركة قومية أو الشكل الذي ستأخذه هذه الحركة…لم تتمكن هذه التفسيرات، المؤسسة على عوامل “شمولية” مفترضة مثل روابط الدم، والعاقات القرابية، من تفسير السبب الذي جعل نسبة قليلة فقط من الجماعات الإثنية تعي هويتها المشتركة، بنما اختفت أخرى في ضباب التاريخ…هناك عدد غير محدد من الحركات القومية الفاشلة في مقابل كل حركة ناجحة.” (15)

ثمة مشكلتان هنا، يفترض العمل على إدراكهما، والتعامل بجدية ومسؤولية معهما: الأولى،  أن “بوتقة الصهر” تلك كانت اشتغلت، أو تركّزت، على الإدراكات الهوياتية الجمعية من دون أن تقرن ذلك بإنشاء أطر أو مؤسسات وطنية جامعة ومستدامة، بل أن كل ما تم بناؤه على هذا الصعيد جرى تهميشه أو التخلّي عنه، بحكم ضعف إدراكات آباء الحركة الوطنية الفلسطينية لأهمية هذه البنى، في حركات طغت عليها الروح الشعاراتية والمزاجية وتقديس العمل المسلح وغياب المراجعات النقدية، وتغليب الغلبة الفصائلية، على حساب الفاعلية والاستثمار السياسي الوطني.

الثانية، وهي ناجمة عن أن وجود المنظمة، التي استنهضت الوجود الفلسطيني في مرحلة ما، بما لها وما عليها، أدى فيما أدى إليه إلى ضمور المجتمع المدني في تجمعات الفلسطينيين والهيمنة عليه، أو طبعه بطابعها، ما نجم عنه أيضاً تهميش دور الطبقة الوسطى، ومن ضمنها المثقفين “المستقلين”، إذ تماهت غالبية الفلسطينيين، بنخبهم، مع منظمتهم، يأتي في إطار ذلك الطبقة الوسطى بمثقفيها وأكاديمييها. وبالنتيجة فإن انحسار مكانة هذه المنظمة، وأفول دورها، وترهّل بناها، أدى إلى نتائج سلبية جداً، إذ خسر الفلسطينيون في ذلك منظمتهم، أو الإطار الجمعي الذي يمثّلهم، ويعبّر عن آمالهم وهمومهم المشتركة، وفي الوقت ذاته كانوا خسروا طبقتهم الوسطى، كما خسروا تبلورهم باتجاه مجتمع مدني، وإن في إطار مجتمعات أخرى يعيشون بين ظهرانيها.

هكذا ليس للفلسطينيين اليوم، على رغم أنهم يعتبرون من أكثر مجتمعات المنطقة ثقافة، وحراكات سياسية، أية تعبيرات مستقلة، تعبر عنهم، بعد أن أضحت المنظمة بمثابة “رجل مريض”، وبعد أن باتت السلطة معنية بجزء من الفلسطينيين، وبعد أن غدت معظم الفصائل أثراً من الماضي، قد لا يقبلها حتى “متحف التاريخ”. يفاقم من ذلك أن الطبقة الوسطى، في كافة تجمعات الفلسطينيين، تبدو منكفئة على ذاتها، وتفتقد المبادرة والجرأة والاستقلالية، كأنها فقدت فاعليتها، وتخلّت عن دورها القيادي، أو الحامل للتغيرات، كحال الطبقات الوسطى في مختلف المجتمعات.

لعل كل ذلك يجد تعبيراته في عدم وجود ولو محطة فضائية أو صحيفة أو جامعة للفلسطينيين، فما هو موجود هو محطات أو صحف لبعض الفصائل، أو لبعض التجمعات، أما الفضائية أو الصحيفة التابعة للسلطة فلا تعبران عن كونهما كذلك بالنسبة الى الفلسطينيين في أماكن تجمعاتهم كافة لا في مواضيعها ولا في استقطاباتها. حتى المجلس الوطني الفلسطيني، وهو المنبر الجامع لكل الفلسطينيين، تم تغييبه طويلاً، وهذا ينطبق على الفصائل، ومن ضمنها “فتح”، التي باتت تعبر عن الفلسطينيين في الداخل (أراضي الـ 1967)، بل حتى عن فلسطينيي الضفة أكثر بكثير من كونها تعبر عن الفلسطينيين في أماكن تواجدهم كافة.

يفيد ذلك بأن على الفلسطينيين، وقياداتهم وطبقتهم الوسطى ومثقفيهم، أن يدركوا أن العيش على السرديات التاريخية لم يعد يكفي كي تبقى إدراكات الشعب لذاته أو لهويته بوصفه شعباً هي ذاتها، فكيف إذا كان هذا الشعب مجزّأ ويعيش في ظروف مختلفة؟ والقصد أن اختلاف أوضاع الفلسطينيين تفتح على التمايز والافتراق في رؤيتهم لذاتهم ووعيهم لمصالحهم وأولوياتهم، وهذا ناجم بدوره عن نشوء سرديات جديدة أخرى، مع نشوء أجيال جديدة، إذ الحديث يجري عن عقود، وليس عن سنوات، وهذه السرديات من شأنها أن تزيح سابقاتها، أو تغطيها، أو تهمشها، كي تحلّ محلّها أولاً.

هذه الحقيقة الصعبة والمرّة هي التي ينبغي إدراكها، أي طغيان الاختلافات على المشتركات في الحالة الفلسطينية الراهنة، وذلك بدل المكابرة والإنكار والتهرب من المسؤوليات. وملاحظة أن هذا الأمر يجري مع غياب منظمة التحرير، وأفول حركة التحرر الفلسطينية، وشيوع حال الإحباط والضياع والتفكّك في مجتمعات الفلسطينيين، وضعف مبادرة الطبقة الوسطى، بخاصة مع ما جرى، مثلاً، لفلسطينيي سورية ولبنان والعراق، وما يجري بين كياني السلطة في الضفة وغزة، وتآكل دور الفصائل، بل والأهم مع بقائها كقيد يثقل على أية محاولة للتغيير.

ليس القصد من هذا الكلام التسليم به، وإنما الغرض دق جرس الإنذار بأن الأمر لم يعد يتعلق بتفكيك القضية الفلسطينية وتصفيتها على ما يحلو لأرباب الأيديولوجيات والشعارات والفصائل الحديث عنه، إذ إن الأمر يتعلق أساساً، وقبل أي شيء، بمخاطر تفكيك مفهوم الشعب الفلسطيني، أو زعزعة هذا المفهوم، وجعله من دون معنى، أو اختزاله بالفلسطينيين في الضفة وغزة، وربما في الضفة وحدها، على ضوء التناحر بين الفصيلين المهيمنين في كل منهما.

لكن الأمر هنا لا يتعلق بتحميل المسؤولية عن هذا التدهور المريع في حال الفلسطينيين، وفي إدراكهم لذاتهم كشعب، إلى حركتي أو سلطتي، “فتح” و “حماس”، فقط، وإنما يتعلق أيضاً بتحميل المسؤولية للطبقة الوسطى من الفلسطينيين، مثقفين وأكاديميين وفنانين، من المعنيين، قبل أي أحد آخر، ببعث الروح الفلسطينية، والحفاظ على هوية الفلسطينيين، وحراسة سرديتهم التاريخية، طبعاً ليس بمعنى إغلاقها، وتحويلها إلى “تابو”، وإنما بمعنى إغنائها واستكمالها بسرديات الفلسطينيين الجديدة، لأنها ليست مجرد سردية متخيّلة، بل لأنها سردية تحض على طلب الحقيقة والعدالة والحرية، باعتبار ذلك بمثابة المدخل المناسب لتحرير الفلسطيني من سرديته الخاصة وبناء سردية مغايرة.

عندما تحدث بنديكت اندرسون عن “الجماعات المتخيلة”، كما قدمنا، وعن دور التخيّل في بناء الهويات أو الجماعات القومية، كان يقصد أن ذلك التخيّل مستمد من الواقع، وتلك هي حال الفلسطينيين وسرديتهم العميقة، بصورها ورموزها وأحداثها، وبالتخيلات التي يعيشها الفلسطينيون في كل أماكن تواجدهم، وعلى امتداد أجيالهم، مع الأخذ في الاعتبار أن الواقع يتغير، وأن الفلسطينيين في حالتنا يواجهون تحديات خسارة أو تفكك سرديتهم، أو إدراكاتهم عن ذاتهم، وخسارة واقعهم ومستقبلهم كشعب، ربما، في حال بقيت الأمور على ما هي عليه، وهو ما تسعى الحركة الصهيونية، منذ قرن، في ترويجها لادعاءات عدم وجود شعب فلسطيني، لإضفاء صدقية على كلامها.

والحال فإن كل المعنيين من الفلسطينيين يتحملون المسؤولية عن ضرورة المبادرة، قيادات سياسية ومثقفين وأكاديميين وفنانين ورجال أعمال، بغض النظر عن خنادقهم السياسية وأيديولوجياتهم ومصالحهم الآنية، لإعادة بناء الأطر الفلسطينية الجمعية، على قواعد وطنية وتمثيلية وديموقراطية ومؤسساتية، علماً أننا هنا لا نتحدث لا عن حرب تحرير ولا عن كفاح مسلح، وإنما عن بناء المجتمع الفلسطيني وكياناته الجمعية. وهو ما يتطلب إدراك الجوانب الرئيسة الآتية:

1 ـ الهوية الوطنية الفلسطينية هي معطى جماعي أساسا، لذا فهي تتأسس على وجود شعب فلسطيني، وعلى المطابقة بين وحدة هذا الشعب ووحدة قضيته، وسرديته التاريخية، وعليه، فثمة خطورة في المس، أو في إزاحة، أي من مكونات هذه القضية، تحت أي مبرر كان،

2 ـ تعزيز التكامل والتعاضد والترابط بين مختلف مكونات وتفرعات الهوية والكيانية الفلسطينية، وإزاحة عوامل الاختلاف والتفكيك والتوتر، بما يعني أنه لا يجوز وضع مكون بدل أخر، كمثل وضع حق مقابل حق، أو هوية صغرى مقابل هوية صغرى أخرى، أو مقابل الهوية الكبرى الأساسية.

3 ـ تأكيد وحدة الشعب الفلسطيني وحدة كيانه السياسي (في إطار التعددية والتنوع والمأسسة والديمقراطية)، وعدم استثناء أي جزء من الشعب الفلسطيني لأي سبب كان، وهذا يفترض تصحيح الخطأ التاريخي المتمثل باستبعاد فلسطينيي 48 من الإطار منظمة التحرير، بإيجاد الصيغ المناسبة لذلك.

4 ـ تنمية المجتمع المدني، وتطوير فاعليته وحيويته، وهذا يشمل الفلسطينيين في مختلف أماكن تواجدهم، وذلك من خلال بناء كيانات اجتماعية واقتصادية وتعليمية وإعلامية. ويأتي ضمن ذلك توجيه الجهود لإجراء انتخابات عامة لهم في كافة أماكن تواجدهم، بحيث تنبثق عنها هيئات تكون مهمتها تمثيلهم في الكيانات الوطنية الجمعية للمنظمة، وفي المؤسسات التشريعية (المجلس الوطني)، وترعى شؤونهم مع السلطات المحلية في البلدان التي يعيشون فيها.

هوامش:

1 ـ إي جيه هوبزباوم (أريك): “الشعوب والقوميات منذ عام 1780…المنهج والخرافة الحقيقية”، ترجمة مصطفى حجاج، دار الكتب الوطنية، أبو ظبي، 2013، ص14.

2 ـ بندكت اندرسون: “الجماعات المتخيلة…تأملات في أصل القومية وانتشارها”، ترجمة ثائر ديب، إصدار المركز العربي للدراسات وأبحاث السياسات، الدوحة 2014.

3 ـ  حسن حنفي: الهوية، إصدار المجلس الأعلى للثقافة في مصر، 2012، ص 10ـ24.

4 ـ الميثاق الوطني الفلسطيني، موقع مركز الاستعلامات ـ وكالة وفا (https://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=4921 ) . أيضا، في الموسوعة الفلسطينية: https://www.palestinapedia.net/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%AB%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A1968/

5 ـ الهيئة العربية العليا تشكلت بناء على قرار من جامعة الدول العربية (بلودان حزيران/يونيو 1946). في 11/6/1946 أعلن بتشكيل الهيئة العربية العليا لفلسطين من جمال الحسيني وأحمد حلمي عبد الباقي* وحسين فخري الخالدي* واميل الغوري. واحتفظ بمركز رئاسة الهيئة للحاج محمد أمين الحسيني وأسندت نيابة الرئاسة إلى جمال الحسيني. لمزيد من الاطلاع راجع الموسوعة الفلسطينية في الرابط: https://www.palestinapedia.net/%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%8A%D8%A6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%8A%D8%A7-%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86/

6 ـ بحسب الموسوعة الفلسطينية، فإن مسألة الحكومة العربية الفلسطينية، أصبحت ضرورة ملحة عشية الدورة الجديدة للجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة في خريف عام 1948، من اجل تمثيل فلسطين في اجتماعاتها. وقد تبنت الهيئة العربية العليا الموضوع، وطاف جمال الحسيني* في العواصم العربية من أجل كسب تأييدها. وفي 23/9/1948 أعلن في غزة* عن تشكيل حكومة عموم فلسطين. وقام رئيسها احمد حلمي عبد الباقي* بإبلاغ ذلك إلى الحكومات العربية وإلى الأمين العام للجامعة العربية، كما أذيع بيان إلى الشعب العربي الفلسطيني باسم الحكومة الجديدة، وطلب منه التعاون مع حكومته الوطنية. ضمت حكومة عموم فلسطين كلا من أحمد حلمي عبد الباقي رئيساً، وجمال الحسيني، ورجائي الحسيني، وعوني عبد الهادي*، وأكرم زعيتر*، والدكتور حسين فخري الخالدي*، وعلي حسنة، وميشال أبكاريوس، ويوسف صهيون، وأمين عقل أعضاء… لا أن حماس الدول العربية الحكومة عموم فلسطين سرعان ما فتر بسبب ضغوط أجنبية قبل أنها مورست عليها. وربما كان مما يدعو إلى الاستهجان أن مصر التي تحمست لقيام هذه الحكومة واعترفت بها في 12/10/1948 لم تلتزم بما تعهدت به نحوها، فلم تسمح لها بممارسة سياسها في غزة التي كان الجيش المصري مرابطاً فيها وتخضع لإدارتها، ووجد وزراء حكومة عموم فلسطين أنفسهم غير قادرين على أداء وظائفهم لأن اختصاصاتهم كانت تقع تحت سيطرة الإدارة العسكرية المصرية. واستدعى رئيس وزراء مصر آنذاك “محمود فهمي النقراشي باشا” رئيس المجلس الأعلى لحكومة عموم فلسطين محمد أمين الحسيني إلى القاهرة، وحينما امتنع أجبره على ذلك بالقوة وبما يشبه الأبعاد. وبعد ذلك لم تسمح النشاطات المصرية لحكومة عموم فلسطين بالبقاء في غزة وطلبت منها الرحيل إلى القاهرة، ولم تمكنها من مزاولة مهامها الحقيقية وحجبت عنها الأموال والصناعات التي كانت قد وعدتها بها من قبل، ولم تكن حريصة على دعوتها لحضور دورة مجلس الجامعة في خريف عام 1949 – أي بعد عام واحد من تشكيلها – وهي فترة كانت كفيلة بفقدان الثقة في المساندة المصرية الحقيقية للحكومة مما أدى إلى تفرق أعضائها بعد تأكدهم من عدم جدية الدعم المصري لها، باستثناء التأييد الموقف الذي لم يتجاوز بضعة أشهر والذي حظيت به إبان الحكومة الوفدية برئاسة مصطفى النحاس باشا في شهر آذار/مارس 1950. لمزيد من الاطلاع في الرابط: https://www.palestinapedia.net/%d8%b9%d9%85%d9%88%d9%85-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86-%d8%ad%d9%83%d9%88%d9%85%d8%a9/

7 ـ لمزيد من الاطلاع راجع: جابر سليمان: “الفلسطينيون في الأردن…معطيات وبيانات وأرقام”، مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد ٦، العدد ٢٤) خريف ١٩٩٥. كتب سليمان: عقدت الهيئة العربية العليا لفلسطين، بقيـادة المفتـي الحـاج أمـين الحســـيني، مـــؤتمر غـــزة لتأكيـــد إعـــلان حكومـــة عمـــوم فلســـطين، الـــذي صـــدر في ٢٣أيلول/سبتمبر من السنة نفسها. ودعا الملك عبد الله، رداً على مؤتمر غزة، إلى عقد مؤتمر في عمان في اليوم نفسـه. وأعلن مؤتمر عمان وحدة الأراضي الفلسطينية والأردنية. وتــابع الملــك تأكيــد إجــراءات الضــم، فعقــد في الســنة نفســها ثلاثــ مــؤتمرات هــي مـــؤتمرات أريحـــا ورام اللـــه ونـــابلس. وكـــان مـــؤتمر أريحـــا الـــذي عقـــد في ٢٦ كـــانون الأول/ديسمبر ١٩٤٨ أشهرها.

8 ـ ثمة عديد من الكتب التي تحدثت عن هذا الموضوع منها: خلدون النقيب: “الدولة التسلطية في المشرق العربي”، (مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 1996). برهان غليون: “المحنة العربية ـ الدولة ضد الأمة” (مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 1993). أيضا، كتابي: “الصدع الكبير…اختبارات السلطة والسياسة والايدلوجيا في اختبارات الربيع العربي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عمان ـ بيروت، 2021.

9 ـ لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني: “اللاجئون الفلسطينيون في لبنان”/ بيروت، 2016، دراسة خاصة (191 صفحة)، وهي دراسة مخصصة للبحث في مكانة وحقوق اللاجئين الفلسطينيين عموما، واللاجئين الفلسطينيين في لبنان بشكل خاص. وهي هيئة حكومية تأسست في 2005، يرأسها حاليا الوزير السابق حسن منيمنة. رابط موقعها: https://lpdc.gov.lb/ar/home-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/

10 ـ عبد الغني الشامي: “اللاجئون الفلسطينيون بالأردن.. مواطنة كاملة ومساواة في الحقوق والواجبات”، موقع “الرؤية”، 11 أبريل 2021، أيضا، راجع: جابر سليمان: “الفلسطينيون في الأردن…، مصدر سبق ذكره. يقول سليمان: توالـت إجـراءات الضـم، فحلّـت الحكومـة الأردنيـة جميـع الهيئـات الفلسـطينية (في الضفة الغربية) التـي أُلّفـت خـلال فتـرة الانتـداب البريطـاني أو خـلال الحـرب سـنة ١٩٤٨، مثـل جمعيـة العمـال العرب في حيفا، والهيئة العربية العليا لفلسطين، وغيرهما. وفي الأول مـــن آذار/مـــارس ١٩٥٠، صـــدر مرســـوم ملكـــي يحظـــر اســـتخدام كلمـــة “فلسطين” في الوثائق الرسمية، واستبدلت حينها باسم “الضفة الغربية”. أما الضم القانوني للضفة الغربية فتم في نيسان/أبريل ١٩٥٠. وقد حصـــل الفلســـطينيون في الأردن علـــى الجنســـية الأردنيـــة منـــذ أن ضُـــمت الضـــفة الغربية إلى الأردن قانونياً سنة ١٩٥٠.

11 ـ وردت في دراسة لجنة الحوار الفلسطيني ـ اللبناني مصدر سبق ذكره.

12 ـ للاطلاع على أوضاع فلسطينيي العراق راجع: منتظر الخارسان (صحافي عراقي): العراق أعطى الفلسطينيين الكوفية وأخذ منهم حقوقهم موقع درج اللبناني 24/5/2021 https://daraj.com/72702/. وعلى العجيل: “الفلسطينيون في العراق: من اللجوء إلى التشرد”، أكتوبر 2021، موقع فنك الهولندي https://fanack.com/ar/. موقع لاجئين: “فلسطينيو العراق.. محنة لجوء استثنائية منذ 72 عاماً”، 18/5/2020.

13 ـ حددت الحكومات السورية مكانة اللاجئين الفلسطينيين، في سوريا (6)، على النحو التالي: القانون الأول (450، 1949)، إذ أقرّ إحداث “مؤسّسة اللّاجئين الفلسطينيّين العرب”، والتي ترتبط بـ “وزارة الشّؤون الاجتماعيّة والعمل السورية”، ومن مهامها تنظيم سجلّات بأسماء اللاجئين الفلسطينيّين، وأحوالهم الشخصيّة، والمهن التي يمارسونها. والقانون الثاني (رقمه 260، وتاريخه 10/7/1956)، الذي تضمّن نصًّا واضحًا يعدّ الفلسطينيّين المقيمين في الأراضي السورية كالسوريّين، في جميع ما نصّت عليه القوانين والأنظمة المتعلّقة بحقوق التّوظيف والعمل والتّجارة وخدمة التّعليم، وذلك مع احتفاظهم بجنسيّتهم الأصليّة. والقانون الثالث، وقد صدر في العام 1960، أي في مرحلة الوحدة بين سوريا ومصر، (ورقمه 89)، والذي قضى بمُنح اللاجئين الفلسطينيّين في سوريا وثائق سفر بناءً على طلبهم. أما بعد العام 1960 فلم يصدر أي قانونٍ يعزّز وضع اللّاجئين الفلسطينيّين في سوريا وظلّ التعامل معهم وفق القوانين السابقة، من الناحية النظرية لكن عمليا جرى التضييق عليهم لناحية التملك مثلا، وبعض الأحوال المدنية.

14 ـ لمزيد من الاطلاع يمكن مراجعة ماجد كيالي: فلسطينيو سوريا أحوالهم وكياناتهم السياسية، وماجد كيالي: “أَثَرُ المتغيَّراتِ في سُورِيّا عَلَى فِلَسطينيّي سُورِيّا وَكِيَاناتِهم السَّيَاسِيَّة، مركز “مسارات لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية”، رام الله، 2012، يمكن تحميله من الرابط: https://www.masarat.ps/files/content_files/kyly_1.pdf أيضا: ماجد كيالي: “تجربة العمل السياسي الفلسطيني في سورية”، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد 87، صيف 2011.

15 ـ اوموت اوزكيريملي: نظريات القومية…مقدمة نظرية”، ترجمة معين الإمام، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2013، ص 123 ـ 125.

المصدر: مجلة “المواطنة”، العدد الأول، إصدار مركز حيدر عبد الشافي للثقافة والتنمية (غزة، مارس 2022) للاطلاع على كامل العدد في الرابط:  https://hccdps.org/?p=9097

(اللوحة للفنان الفلسطيني سليمان العلي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.