“إشارة مرور” لتطبيق خطة مجلس السلام لقطاع غزة  – السياسة الموصى بها لإسرائيل

” الغموض البنّاء” كمنهج عمل أمريكي :
وافقت الحكومة الإسرائيلية على نشر قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة – ويُعدّ ذلك بداية تنفيذ خطة “مجلس السلام” المؤلفة من 20 نقطة . وفي حال نشر القوة ، سيبدأ التطبيق العملي لرؤية أمريكية أوسع بكثير من مجرد إيجاد حل محلي لقطاع غزة ، فالولايات المتحدة تعمل بنشاط على تطبيق الرؤية نفسها في سوريا ولبنان أيضا .
وخلافا للاعتقاد السائد بأن الرئيس ترامب لا يمتلك استراتيجية واضحة ومنظمة تجاه الشرق الأوسط ، يمكن ملاحظة خطوط توجيه واضحة إلى حد كبير في السلوك الأمريكي في المنطقة . صحيح أن هذه الخطوط تتداخل معها اعتبارات نفعية مرتبطة بالمصالح الاقتصادية والتجارية ، لكنها تشير إلى وجود فكرة ناظمة .
ومن الوسائل الرئيسية لتطبيق هذه الرؤية مفهوم “الغموض البنّاء”؛ أي أنه عند توقيع الاتفاقيات (مع إيران، أو مع حماس ، أو مع لبنان)، لا يتم ، عن قصد ، الاتفاق على جزء كبير من التفاصيل ، كما لا يتم الإعلان عنها للعامة في الوقت نفسه . وبهذه الطريقة تنشأ مساحات من حرية الحركة فيما يتعلق بالتنفيذ .
لكن هذه المرونة لها ثمن : فالغموض يجعل فهم الوضع في الوقت الحقيقي أكثر صعوبة ، إذ يستطيع كل طرف تفسير بنود الاتفاق بالطريقة التي تناسبه ، وقد تتطور نتيجة لذلك حالات سوء فهم قد تصل حتى إلى حد العنف ، فيفقد الاتفاق مفعوله (انظر، على سبيل المثال، اتفاق التفاهمات مع إيران في يونيو/حزيران 2026) . وهكذا يؤدي هذا الغموض إلى تشويش إدراك الواقع ، ويزيد من خطر عدم اكتشاف المخاطر وفوات الفرص .
وتؤثر هذه السياسة بصورة مباشرة على إسرائيل ، التي وافقت عمليا على نوع من “الاستعانة بمصادر خارجية أمريكية ” لسياسة الأمن القومي . صحيح أن إسرائيل تشارك في بعض العمليات ، ولا سيما عبر قنوات مباشرة مع الرئيس ، لكن القرارات التي تشكل مستقبل علاقاتها مع المنطقة تُتخذ إلى حد كبير في واشنطن .
وعليه، من الضروري إدراك أن السياسة الإسرائيلية هي ، في الواقع ، السياسة الأمريكية ، وإن كانت إسرائيل لا تزال تمتلك القدرة على التأثير فيها . وتفصّل هذه الوثيقة اقتراحا لتطبيق السياسة الأمريكية في قطاع غزة بطريقة تتيح أيضا تطبيقا ذا صلة في لبنان وسوريا في المستقبل .
السياق : خطة النقاط العشرين هي تطبيق لفكرة إسرائيلية من خلال فرض خارجي :

تم عرض خطة النقاط العشرين في 29 سبتمبر/أيلول 2025 (وفي 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 وافق مجلس الأمن على القرار 2803، الذي أقرّ خطة النقاط العشرين). وخلافا للتصور السائد في الرأي العام الإسرائيلي ، لا يتعلق الأمر بفرض فكرة أمريكية . بل على العكس، إن الأمر يتعلق في الواقع بتطبيق مخطط إسرائيلي بشأن “اليوم التالي” في قطاع غزة.
ولنوضح ذلك : تم عرض المخطط الاستراتيجي الشامل بشأن غزة على مجلس إدارة الحرب عشية بدء العمليات البرية في القطاع (26 أكتوبر/تشرين الأول 2023). وقد اقر هذا المجلس الخطة التي قدمتها وزارة الحرب .
وتفصّل الخطة الفكرة التالية : بعد حسم المعركة ضد حماس (وفقًا للخطة – ثلاثة أشهر لتفكيك الكتائب ، وتدمير البنية التحتية تحت الأرض ، والقضاء على القادة) ، تبدأ ” المرحلة الثالثة ” ، التي يتم خلالها نقل السيطرة المدنية على غزة تدريجيا إلى إدارة تكنوقراط لا ترتبط بحماس أو بالسلطة الفلسطينية .
وعند اعتماد الخطة من قبل مجلس إدارة الحرب ، تم الاتفاق على أنه قبل تنفيذ “المرحلة الثالثة” سيتم عقد اجتماع موسع للحكومة للموافقة على المراحل التالية من التنفيذ . لكن الاجتماع لم يُعقد خلال العامين الأولين من الحرب .
وكان هذا التأجيل أساسا لانتقادات حادة مفادها أن الحكومة الإسرائيلية لا تضع إطارا سياسيا مكملا للعمل العسكري . وفي نهاية المطاف ، تم فرض هذه الخطة على الحكومة الإسرائيلية في إطار خطة النقاط العشرين .
وتتضمن هذه الخطة ، التي أُطلق في إطار تطبيقها الأولي سراح المخطوفين الإسرائيليين الأحياء من قبضة حماس ، إنشاء مجلس الإدارة الدولي لغزة (مجلس السلام ) ، الذي يفترض أن يوجّه الإدارة التكنوقراطية التي ستحل محل حماس في الحكم – اللجنة الوطنية لإدارة غزة وأن يشرف عليها.
وستستعين هذه الإدارة بقوة أمنية دولية للحفاظ على القانون والنظام والإشراف على نزع سلاح القطاع – هي قوة الاستقرار الدولية .
إن فرض الولايات المتحدة لخطة النقاط العشرين في خريف 2025 كان مدفوعا بصورة مشتركة بثلاثة تطورات :
(1) خطة إسرائيلية لاحتلال مدينة غزة وتدميرها بالكامل (مركبات جدعون- ج) دفعت حماس إلى تقديم تنازلات .
(2) ضغط عائلات المخطوفين لدى حماس على الرئيس ترامب لزيادة التزامه بالعثور على حل للقضية وتنفيذه .
(3) الهجوم الإسرائيلي في الدوحة ، قطر ، الذي زعزع شعور دول الخليج بالأمن ، أدى إلى ممارسة ضغط إضافي على الرئيس ترامب .
وفي إطار الخطة، وافقت إسرائيل على وقف إطلاق النار والانسحاب التدريجي من القطاع ، شريطة نزع السلاح، وعلى السماح بإعادة الإعمار في المناطق التي سبق أن ” تم تطهيرها من حماس ” ، حتى من دون تعاون حماس (البند 17). أما البند الأكثر حساسية من الناحية السياسية فهو موافقة إسرائيل على مسار سياسي مستقبلي يقود إلى إقامة دولة فلسطينية (البند 19). ويشكّل هذا المسار السياسي الأولي شرطا أساسيا لتوسيع “اتفاقيات إبراهام” .
وافقت الحكومة الإسرائيلية على هذا المخطط السياسي ، على ما يبدو انطلاقا من افتراض أن حماس لن تلتزم بتعهداتها ، وأن الخطة لن تتجاوز مرحلتها الأولى (إطلاق سراح المخطوفين )، بحيث تُنسب مسؤولية فشل المراحل الأخرى إلى حماس ، بما يتيح لإسرائيل المجال لاستئناف القتال في القطاع ، بدعم أمريكي .
وبالفعل، مع بدء عملية “زئير الأسد” ضد إيران ، في أواخر فبراير/شباط 2026، تراجعت حماس عن التزامها بتسليم الإدارة التكنوقراطية الأسلحة الثقيلة التي بحوزتها ، وكذلك الأنفاق ومواقع إنتاج الأسلحة. وردا على ذلك ، واصل الجيش الإسرائيلي احتلال أجزاء إضافية من القطاع (من 53% عند اعتماد خطة النقاط العشرين إلى نحو 65% حاليا ) ، وزاد من وتيرة استهداف قادة حماس والمسلحين الذين شاركوا في هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول .
ومن جانبها ، امتنعت حماس عن إطلاق النار باتجاه إسرائيل ، وبدأت تركز على بناء قوتها الداخلية وتعزيز قبضتها المدنية على القطاع من خلال فرض الضرائب على السلع وإنفاذ القانون والنظام .
السياق الراهن ، خطة النقاط الخمس عشرة _ فرصة ذات ثلاث نقاط ضعف بنيوية :
خطة النقاط الخمس عشرة هي اتفاق بين مجلس السلام وحماس، وتهدف إلى إقناع الحركة بالموافقة على دخول حكومة التكنوقراط إلى القطاع والعودة إلى المسار القائم على الاتفاقات . إسرائيل ليست طرفا في هذا الاتفاق ، باستثناء التفويض اللازم لدخول قوة عسكرية أجنبية إلى أراضي دولة إسرائيل (وهو قرار أقره مجلس الوزارء السياسي-الأمني).
وعلى الرغم من أن الخطة لا تتعارض رسميا مع خطة النقاط العشرين ، فإن صياغتها تتضمن إشكالية من المنظور الإسرائيلي : فالنبرة تجاه حماس تتسم بالتودد الشديد إلى حد الخضوع ، ويُعطى اهتمام كبير لأمن عناصر حماس خلال المرحلة الانتقالية، كما توجد تماثلية بنيوية بين حماس وإسرائيل في الافتراضات الأساسية المتعلقة بانعدام الثقة المتبادل .
وفوق ذلك ، تم تحديد ثلاث مشكلات عملية تتطلب استجابة إسرائيلية نشطة:
1 – آلية التحقق :
قطر وتركيا جزء من الآلية التي يُفترض أن تقدم تقارير بشأن تفكيك أسلحة حماس . وأي تقرير تقدمانه بشأن نزع السلاح سيلزم إسرائيل باتخاذ خطوة موازية تتمثل في الانسحاب .
ويتمثل أحد المخاوف الرئيسية في أن الدولتين معنيتان في الواقع بالحفاظ على مكانة حماس في القطاع، وليس بتفكيكها.
2 – إيداع الأسلحة :
من المفترض أن يتم ايداع أسلحة حماس لدى هيئة أمنية فلسطينية، لم يُحدد تشكيلها أو صلاحياتها. وليس واضحا على الإطلاق ما الذي يندرج ضمن ما يسمى “الأسلحة الدفاعية” أو “الأسلحة الهجومية” لحماس .
وقد يتحول السماح بالاحتفاظ بالأسلحة الدفاعية إلى منحدر زلق يؤدي إلى تراكم أسلحة ثقيلة. كذلك، فإن عدم الدقة في تحديد الجداول الزمنية والكميات قد يؤدي إلى عدم القدرة على مراقبة عملية إيداع الأسلحة والإشراف عليها.
3 – هوية قوة الأمن الداخلي :
لم يتم تحديد هوية القوة الفلسطينية التي ستتمتع بالصلاحية للحفاظ على القانون والنظام في القطاع بصورة دقيقة. والموافقة المبدئية على دمج عناصر من حماس في هذه القوة (رهناً بالموافقة الأمنية وتسليم الأسلحة) قد تؤدي عمليا إلى إنشاء إدارة تكنوقراطية تكون قوة الأمن الداخلي التابعة لها مأهولة بعناصر من حماس .
والبديل الأمني هو “رجال شرطة فلسطينيون” محليون خضعوا لفحوصات أمنية وتدريبات خاصة تحت إشراف أمريكي في مصر.
لكن دخول العناصر الأمنية الفلسطينية إلى القطاع يتأخر لأن مصر لا توافق على تدريب قوة فلسطينية على أراضيها من دون الحصول مسبقا على تعهد من الحكومة الإسرائيلية بإعادتهم إلى غزة ونشرهم فيها .
السياسة المقترحة :
الفرصة: أحمر ، برتقالي ، أخضر – الخريطة الراهنة للمناطق في قطاع غزة :
حتى تاريخ إعداد هذه الوثيقة، ينقسم القطاع فعليا إلى ثلاثة مناطق مختلفة من حيث طبيعتها ودرجة السيطرة عليها . ويشكّل هذا التقسيم نقطة الانطلاق لفكرة “إشارة المرور ” :
. المنطقة الحمراء _ نحو 38% من مساحة القطاع ، وهي منطقة يعيش فيها نحو 1.8 مليون من سكان غزة ، وتخضع لسيطرة حماس .
. المنطقة الخضراء _ نحو 53% من مساحة القطاع ، من حدود القطاع وحتى الخط الأصفر الذي حدد نطاق السيطرة الإسرائيلية عند اعتماد خطة النقاط العشرين ، وتخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي .
. المنطقة البرتقالية _ نحو 12% من مساحة القطاع ، وهي منطقة استولى عليها الجيش الإسرائيلي خلف الخط الأصفر منذ وقف إطلاق النار وحتى اليوم .
إن هذا التقسيم للسيطرة المادية القائمة حاليا في القطاع — والذي تشكّل تدريجيا على الأرض ، وليس نتيجة سياسة مقصودة من أعلى، وهو ما يتيح خلق فرصة — يمكن تحويله إلى نظام لإعادة الإعمار ونزع السلاح ، بطريقة تضمن ألا تشكل المنطقة تهديدا لإسرائيل، وأن تُجرّد حماس من أسلحتها، وأن تبدأ عملية تنتهي بنقل القطاع إلى سلطة فلسطينية محسّنة (بعد تنفيذ الإصلاحات المطلوبة فيها).
وسيسمح تحقيق هذا الهدف للجيش الإسرائيلي بحرية العمل لإحباط التهديدات ، بالتوازي مع بدء تنفيذ رؤية سياسية. كما أن اعتماد هذا المخطط سيتيح توسيع ” اتفاقيات إبراهام” وسيحد من الانتقادات الدولية الموجهة إلى إسرائيل ومن العزلة الدولية المتزايدة حولها .
تفاصيل الخطة المقترحة _ توصيات عملية للسياسة :

  1. – خطة “إشارة المرور” – تطبيق متمايز وفقا لثلاث مناطق
    . في المنطقة الحمراء :
    ستتولى الإدارة التكنوقراطية لغزة (NCAG) الحكم ، وستنقل حماس إليها صلاحيات الحكم المدني ، مع احتفاظها مؤقتا بالأسلحة الخفيفة فقط لأغراض الدفاع عن النفس .
    ومن جانبها، تلتزم الحكومة الإسرائيلية أمام مصر بالموافقة على عودة قوة شرطة فلسطينية تدربت هناك إلى أراضي القطاع (بعد إخضاع أفرادها للفرز والموافقة الأمنية) .
    وسيُحدد، وفقا لوتيرة وفعالية نشر قوة الشرطة الفلسطينية ، جدول زمني ملزم لتسليم الأسلحة الخفيفة التي ستظل بحوزة حماس . ومن المهم تحديد قائمة الأسلحة الخفيفة بالتفصيل الدقيق .
    وحتى قبل إيداع الأسلحة الخفيفة ، ومع دخول الإدارة التكنوقراطية إلى غزة ، يجب البدء في إيداع الأسلحة الثقيلة (الصواريخ، والعبوات، وقاذفات مضادات الدروع) . أي ينبغي البدء فورا في تفكيك جميع الأنفاق وتسليم الأسلحة الثقيلة (الأسلحة المضادة للدروع ، وقذائف الهاون ، والصواريخ ، والرشاشات . ويُعد إيداع الأسلحة الخفيفة شرطا لأي انسحاب إسرائيلي من المنطقة الخضراء ، كما سيتم التفصيل لاحقا).
    وسيتم نقل جميع الأسلحة التي تُجمع من حماس إلى عهدة قوة الاستقرار الدولية ، في نطاق المنطقة البرتقالية (كما سيتم التفصيل لاحقا) ، حيث سيتم اتلاف الأسلحة أو تدميرها .
    وهناك بديل آخر محتمل يتمثل في إيداع أسلحة حماس في مصر ، لدى المخابرات العامة المصرية.
    وسيتم التحقق من عملية نزع السلاح حصريا بواسطة آلية دولية تضم ، إلى جانب تركيا وقطر، الولايات المتحدة ودولا أخرى تتمتع بمستوى عالٍ من الموثوقية في نظر إسرائيل .
    بالنسبة إلى هذه الآلية – لجنة التحقق الدولية ينبغي منحها صلاحيات إجراء عمليات تفتيش مفاجئة، والوصول إلى أي موقع مشتبه به ، وإجراء فحوص هندسية وتقنية ، وتلقي معلومات استخباراتية من مصادر خارجية ، وإعادة فتح مرحلة سبق اعتمادها إذا وردت معلومات جديدة .
    وبذلك ستتم معالجة مشكلة آلية التحقق والتحدي الرئيسي المرتبط بتجريد حماس من سلاحها بصورة مباشرة . وكل تقرير بشأن نزع السلاح يجب أن يرافقه تحقق من جهة تثق بها إسرائيل، وليس من قطر وتركيا وحدهما . في المنطقة البرتقالية :
    سيتم تنفيذ انسحاب إسرائيلي تدريجي إلى الخط الأصفر الأصلي، بحيث تنتشر قوة الاستقرار الدولية في كل منطقة تنسحب منها إسرائيل ، ويبدأ فيها إعمار مدني (مشاريع سكنية للسكان الذين خضعوا للفحص الأمني).
    وستكون هذه المنطقة مفتاحا لبناء قطاع غزة الجديد الذي لا يشكل تهديدا لإسرائيل . وكلما تقدم الإعمار في هذه المنطقة ، ستتوسع المنطقة البرتقالية تدريجيا لتصبح منطقة عازلة خاضعة للرقابة بين المنطقة الحمراء والمنطقة الخضراء .
    يوصى بأن يستند توسيع المنطقة البرتقالية إلى نموذج وظيفي وليس إلى تقسيم جغرافي ثابت بين قطاع مخصص لنزع السلاح وقطاع مخصص لإعادة الإعمار . فعلى سبيل المثال : مقابل تفكيك كمية محددة مسبقا من أسلحة حماس، يتم إعمار الجزء النسبي المقابل في المنطقة البرتقالية. فمثلا ، يمكن أن يؤدي إيداع 5,000 قطعة سلاح إلى فتح 30% من المنطقة المخصصة للإعمار في المنطقة البرتقالية .
    أي أن العلاقة بين نزع السلاح والإعمار ستُحدد وفق جدول كميات للأسلحة التي تتخلى حماس عنها، وليس وفق حدود جغرافية . وبناءً على ذلك ، تكون المنطقة البرتقالية منطقة ديناميكية تتوسع تدريجيا وفقا لإمكانات إعادة الإعمار .
    فعلى سبيل المثال، يمكن في الوقت الراهن إنشاء منطقة برتقالية واسعة بما يكفي لبدء الإعمار في منطقة رفح . أما في مناطق أخرى ، فقبل بدء الإعمار، ستتم توسعة المنطقة البرتقالية ، إما من خلال دفع الخط إلى الأمام بواسطة قوات الجيش الإسرائيلي ، أو من خلال نقل أراضٍ من المنطقة الخضراء إلى المنطقة البرتقالية ، وأحيانا من خلال الجمع بين الطريقتين .
    ومن المهم التشديد على أن المنطقة البرتقالية هي نواة إعادة إعمار “غزة الجديدة”، التي ستُبنى تحت سيطرة قوة الاستقرار وليس تحت سيطرة حماس .
    وسيتم السماح بانتقال السكان من المنطقة الحمراء إلى المنطقة البرتقالية ، لكن ذلك سيكون خاضعا للمراقبة والرقابة . أي أنه إلى حين نزع سلاح غزة بالكامل، سيكون الدخول إلى المنطقة البرتقالية والخروج منها خاضعين لإشراف قوة الاستقرار الدولية ( من خلال التفتيش عند نقاط العبور) .
    وعلى المدى البعيد ، وبعد أن تبدأ قوة الشرطة الفلسطينية التي حصلت على موافقة أمنية كاملة بالعمل في المنطقة الحمراء ، وتترسخ وتتعزز ، يمكن توسيع انتشارها ليشمل المنطقة البرتقالية أيضًا.
  • المنطقة الخضراء :
    ستبقى تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي كورقة تفاوض وضمانة رئيسية لتنفيذ العملية ، بشكل يرضي إسرائيل و”مجلس السلام”. وسيتم الانسحاب الإسرائيلي منها تدريجيا، قطاعا تلو الآخر ، فقط مقابل نزع سلاح تم التحقق منه في المنطقة الحمراء ، بما في ذلك ، وبصورة خاصة ، إيداع الأسلحة الخفيفة .
    والمبدأ الموجّه هو: “الأرض مقابل نزع سلاح تم التحقق منه”.
    ومن المفترض أن يعالج هذا الوضع مشكلة إيداع الأسلحة: فما دام لا يوجد تحقق متقاطع بشأن الأسلحة _ بما فيها الأسلحة التي توصف بأنها “شخصية” – فسيتم تجميد الانسحاب الإسرائيلي من المنطقة الخضراء .
    وستسمح هذه الخطة لإسرائيل بتحسين وضعها الأمني عمليا من دون التعارض مع مبادرة “مجلس السلام” وخطة الرئيس ترامب المؤلفة من 20 نقطة . وذلك رغم أن الخطة الأصلية لـ”مجلس السلام” لا تميز حاليا بصورة كافية بين المناطق الثلاث في قطاع غزة .
    وسيترتب على خرق هذا المخطط جزاء فوري يتمثل في فقدان المقابل _ أي تجاوز مرحلة الانسحاب الإسرائيلي التالية . وإذا اكتُشف الخرق بأثر رجعي ، بعد تنفيذ الانسحاب المعني بالفعل (مثل اكتشاف مخزن أسلحة كان من المفترض تسليمه عند نقطة مرحلية سبق إنجازها) ، فسيتم فرض الجزاء عبر تجاوز الانسحاب باعتباره نقطة المرحلة التالية .
  1. – التوعية المنهجية للجمهور الإسرائيلي :
    الخطة معقدة من حيث التنفيذ ، ولذلك يُوصى بأن يقوم مكتب رئيس الوزراء بالتعاون مع مجلس الأمن القومي بوضع آلية منظمة للتوعية العامة ، تشمل إحاطات للجنة الخارجية والأمن في الكنيست ، وإحاطات خلفية لوسائل الإعلام ، ونشر مبادئ السياسة (على خلاف تفاصيلها العملياتية) ، بحيث توضح للجمهور السياسة المطبقة على الأرض ، والاعتبارات التي توجهها ، والفرص الكامنة فيها .
    ومن شأن الشفافية المنضبطة أن تقلل الضرر الناجم عن “الغموض البنّاء” غير المشروح ، وأن تعزز شرعية السياسة في نظر الجمهور .
  2. – الحفاظ على التعاون مع إدارة ترامب ، مع إدارة التحفظات عبر القنوات الدبلوماسية :
    يُوصى بأن تواصل إسرائيل التعاون مع سياسة الرئيس ترامب وأن لا تدخل في مواجهة علنية معه ، من بين أسباب أخرى نظرا إلى العدد المحدود من حلفاء إسرائيل في الساحة الدولية ، وإلى حساسية الرئيس الشخصية العالية تجاه ما يعتبره عدم امتنان .
    ومع ذلك، يُوصى بإنشاء قناة عمل إسرائيلية _ أمريكية مخصصة على مستوى مجلس الأمن القومي ، مع الجهات النظيرة لها في مجلس السلام ، تُطرح من خلالها بصورة منتظمة التحفظات المفصلة في هذه الوثيقة ، ولا سيما دمج فكرة التطبيق المتمايز وفق المناطق (فكرة “إشارة المرور”) ، وكذلك التحفظات الإسرائيلية بشأن التحقق من نزع السلاح وأنواعه ، التي يفترض سحبها من حماس وسائر الجهات المسلحة الفاعلة في القطاع ، بدلا من الاكتفاء ببيانات انتقادية علنية .
  3. – تسريع بناء الإدارة المدنية البديلة والقوة الأمنية الفلسطينية :
    يُوصى بأن تعمل إسرائيل على تسريع الإنشاء العملياتي للإدارة التكنوقراطية في المنطقة الحمراء ، ونشر قوة الاستقرار الدولية في المنطقة البرتقالية .
    وعلى الرغم من أوجه القصور والضعف في هذه الهيئات ، فإن استمرار سيطرة حماس على القطاع هو ، وفقًا للوثيقة ، البديل الأسوأ من بين البدائل الممكنة .
    وبالتوازي، ينبغي مواصلة العمل العملياتي ضد التهديدات الأمنية الناشئة . ومن هنا تنشأ ضرورة إنشاء آلية لإدارة الاحتكاك مع مختلف الجهات التابعة لـ”مجلس السلام” التي تعمل في قطاع غزة . وينبغي الاتفاق مسبقا على قواعد الاشتباك وإجراءات فتح النار .
    المبدأ الذي يوجّه توصيات السياسة هو أن تحويل الإنجازات العسكرية للجيش الإسرائيلي (السيطرة على الأرض، وإلحاق الضرر بقدرات حماس) إلى إنجاز سياسي _ حكومي مستقر افضل من إبقاء حماس كسلطة فعلية في القطاع . وذلك حتى في حال وجود شك حقيقي بشأن نطاق نزع السلاح الذي سيتم إيداعه وتفكيكه في نهاية العملية.
    التحديات وسبل التعامل معها :
  4. – الاعتماد على استعداد حماس للتخلي عن هويتها كتنظيم مقاومة مسلح “
    التحدي – يتطلب تنفيذ الخطة تعاونا من جانب حماس . وبما أنها منظمة مقاومة ، فمن المرجح أن لا توافق على نزع سلاحها وأن لا تتخلى عن بقائها السياسي الذي يستند إلى القدرة العسكرية . ولذلك يُرجح أن تحاول حماس الخداع والإخفاء وتعطيل التقدم في تنفيذ الخطة .
    الرد – عملية طويلة يتم خلالها حرمان حماس من مصدر قوتها الرئيسي ، أي قدرتها على التجنيد في صفوفها من السكان المدنيين في قطاع غزة .
    وسيكون سكان المنطقة الحمراء تحت سيطرة الإدارة التكنوقراطية البديلة ، التي ستوفر خدمات الأمن الداخلي ، ومصادر العمل ، وتجمع الضرائب ، وتوزع المساعدات الإنسانية ، وبذلك تبدأ بإضعاف قبضة حماس عليهم .
    أما المدنيون الذين سينتقلون للعيش في المنطقة التي أعيد إعمارها (المنطقة البرتقالية)، فسيعيشون في منطقة لا توجد فيها حماس . وفي المنطقة الخضراء ، التي ستتقلص تدريجيا لصالح المنطقة البرتقالية ، لن يكون هناك مدنيون على الإطلاق .
  5. – مخاطر الانسحاب :
    التحدي – يرى سكان جنوب الدولة والإسرائيليون عموما أن الأراضي التي تم الاستيلاء عليها خلال القتال في قطاع غزة ، وبثمن بشري مرتفع ، تشكل ضمانة للأمن. ولذلك فإن أي انسحاب ، مهما كان صغيرا، ناهيك عن الانسحاب الكامل ، سيصاحبه قلق بالغ من التخلي عن الأمن مقابل وعود وخطط معقدة التنفيذ ، وبالتالي مشكوك في فعاليتها .
    الرد – تنفيذ تدريجي وبطيء يضمن أن أي تنازل عن الأرض سيتم بالتوازي مع تفكيك القدرات العسكرية التي تشكل تهديدا في القطاع.
    وستُوكل مراقبة نزع سلاح حماس والتحقق من عملية نزع السلاح إلى قوة أمريكية، في حين تكون قطر وتركيا ودول أخرى مجرد أطراف في آلية المراقبة هذه .
    وهناك رد أخر يتمثل في احتفاظ إسرائيل بصلاحية أمنية لتدمير أي تهديد ناشئ في قطاع غزة أو صادر منه . ولن تتخلى إسرائيل عن حقها في الدفاع عن النفس وإزالة التهديدات .
    وأخيرا، سيكون الانسحاب إلى خط داخل قطاع غزة ، بما يسمح بالدفاع الأمامي عن التجمعات السكانية في غرب النقب وإنشاء منظومة أمنية أمامية تتيح الإنذار والدفاع المتقدم عن المناطق الحيوية داخل الأراضي الإسرائيلية .
    وهذا الخط الأمامي غير متفق عليه حاليا ، وينبغي العمل على الاعتراف بأهميته الأمنية بالنسبة لإسرائيل .
  6. – تقييد حرية عمل الجيش الإسرائيلي :
    التحدي – سيحد انتشار قوة الاستقرار الدولية في المنطقة الحمراء من قدرة الجيش الإسرائيلي على المناورة والعودة إليها. كما أن وجود قوات أجنبية بحد ذاته سيقلص حرية عمل الجيش الإسرائيلي. وبالتالي تُسلب من الجيش الإسرائيلي، وفقًا للوثيقة، صلاحية أمنية سيادية، ويُقوَّض تطبيق فكرة ” الصلاحية الأمنية المتزايدة ” .
    الرد – إن التقسيم الواضح إلى ثلاث مناطق في القطاع سيُسهّل كثيرًا على إسرائيل تحديد وتطبيق إجراءات فتح النار .
    وستتيح الخطوط الواضحة اتباع سياسة إطلاق نار متمايزة ، فعلى سبيل المثال ، بما أن قوة دولية لن تنتشر في المنطقة الحمراء ، سيتم إطلاق النار دون تنسيق، ولكن فقط على التهديدات التي تم الاتفاق مسبقا على اعتبارها أهدافا يُسمح بالتعامل معها بحرية .
    وفي المنطقة البرتقالية، وبما أن قوة دولية ستنتشر فيها ، لن يتم إطلاق النار إلا بعد تنسيق مسبق . أما في المنطقة الخضراء ، فسيتم إطلاق النار من دون قيود على الإطلاق .
    وسيتم إنشاء آلية لمنع الاحتكاك من أجل تطبيق هذا التقسيم المبدئي.
    وفي حال استئناف الجيش الإسرائيلي للعمليات داخل القطاع ، إذا دعت الحاجة، ستخلي قوة الاستقرار مواقعها، وسيتمكن الجيش الإسرائيلي من التقدم إلى المنطقة الحمراء عبر عبور المنطقة البرتقالية ، التي سيتم إخلاؤها .
  7. – ستسيطر حماس تحت سطح الأرض :
    التحدي – قد يوقع عناصر حماس على نوع من وثيقة التعهد وينضموا إلى قوة الشرطة الفلسطينية. وبمرور الوقت ، قد يشكلون ميليشيا مسلحة تطبق سياسة “المقاومة المسلحة”، بدعم من إيران ، من بين أمور أخرى ، كما يحدث في الوقت الراهن في العراق ولبنان .
    وإذا تشكلت هذه القوة، فستكون مصدر التهديد المستقبلي من قطاع غزة تجاه إسرائيل .
    الرد – لا ينبغي تجنيد عناصر حماس من دون فترة تهدئة وعملية طويلة لنزع التطرف ، ولا ينبغي بأي حال تجنيدهم كوحدة ، أي كإطار تنظيمي .
    وبالإضافة إلى ذلك، يجب التأكد من أن رواتب قادة قوة الشرطة في غزة ستُدفع من قبل مجلس السلام ، الذي يضمن أن يكون جميع متلقي الرواتب قد خضعوا لتدقيقات أمنية دورية.
    وينبغي افتراض استمرار وجود فصائل من المقاومة الفلسطينية في القطاع . وينبغي مواصلة العمل ضدها وفق نهج “جز العشب” المستمر ، سواء من جانب الجيش الإسرائيلي أو بالتعاون مع جهات أمنية أخرى في القطاع .
  8. – غياب مشاركة دول الخليج والدول الأوروبية :
    التحدي – نظرا إلى أن الأمر لا يتعلق بمسار سياسي محدد على أنه يقود إلى إقامة دولة فلسطينية ، فلن تتعاون الدول العربية مع الخطة ، وستنظر إليها باعتبارها تخدم المصلحة الأمنية الإسرائيلية فقط ، على حساب التطلعات الوطنية الفلسطينية .
    وفي غياب الموارد ، ستكون الجهات المشاركة في جهود تحقيق الاستقرار في القطاع ضعيفة ، وستكون الرواتب منخفضة ، وسيُنظر إلى شاغلي المناصب على أنهم متعاونون مع إسرائيل ، وبالتالي سيواجهون صعوبة في الحصول على الشرعية الشعبية .
    وفوق ذلك ، فإن غياب الدعم من دول الخليج المعتدلة قد يؤدي إلى وضع قطر في صدارة المشهد . وإذا كانت قطر هي التي ستعيد إعمار القطاع ، فمن المتوقع تسرب التمويل إلى الإرهاب وإعادة بناء حماس تحت الأرض وفوقها .
    الرد – ينبغي لإسرائيل أن تظهر التزاما بالمسار السياسي الذي قبلت به في إطار خطة النقاط العشرين لإدارة ترامب ، من دون الالتزام في الوقت الراهن بهدف سياسي نهائي يتمثل في إقامة دولة فلسطينية .
    ومع ذلك، ينبغي الدفع نحو رؤية للانفصال تتيح سيادة فلسطينية مستقلة ولكن محدودة ، منفصلة عن إسرائيل .
    وحتى لو كانت هذه الرؤية غير قابلة للتحقيق في الظروف الراهنة ، فإنها تمثل بداية عملية للخروج من الجمود السياسي المستمر منذ سنوات طويلة .
    وستكون مشاركة دول الخليج في جهود إعادة الإعمار الاقتصادي والمدني ، وكذلك الأمني ، في القطاع أساسا وشرطا لنجاح الخطة . فإمكاناتها الاقتصادية مطلوبة ، ومن المتوقع أيضا أن تعمل على ضمان عدم تبديد استثماراتها .
    الخلاصة
    تخلت إسرائيل عمليا عن قدر كبير من استقلالية سياستها الخارجية والأمنية في ساحة غزة ، لصالح سياسة يجري تصميم معظمها في واشنطن .
    وفي هذا الواقع ، يترك “الغموض البنّاء” الأمريكي لإسرائيل مساحات حقيقية من حرية الحركة لتنفيذ خطة النقاط العشرين لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة من خلال خطة متميزة ، تقوم على السيطرة الإقليمية وفق إعادة ترتيب جديدة ، رهناً بالتحقق المتقاطع من نزع سلاح حماس .
    إن الاستخدام المدروس لهذه المساحات من حرية الحركة ، وشرح مبادئ السياسة المحدثة ، إلى جانب استمرار التعاون مع واشنطن واستمرار السياسة حتى بعد تشكيل حكومة جديدة في إسرائيل ، هي عوامل ستحدد ما إذا كانت خطتا النقاط العشرين والخمس عشرة نفطة ستترجمان إلى تحسن أمني مستدام بالنسبة لإسرائيل ، أم ستبقيان في إطار بيانات نوايا لا تغير الواقع على الأرض ، وقد يُعزى فشلهما بدرجة كبيرة إلى إسرائيل .

ورقة سياسات 24سبتمبر/أيلول 2026

من منشورات معهد ابحاث الامن القومي الاسرائيلي

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *