إسهامًا منّي في تصويب السجالات أو ما هو السؤال الرئيسي؟

*”التجمّع” لا يستطيع الوقوف على تلّة عالية وادّعاء الانفراد بالوطنيّة، التميّز وشعور المظلوميّة لا يكفي لأن يكون برنامجًا سياسيًّا* التكتيكات الانتخابيّة لا تشفع. الحالة حالة استعماريّة ستنزلق إلى قمع بيّنِ، فماذا نحن فاعلون؟ هذا هو السؤال!

كان سيكون أرقى وأوضح وأفضل وأنبل وأكثر شهامة لو أن “الجبهة” و”التغيير” جاءا إلى التجمّع وقالا: نريد أن نجرّب مرة أخرى التوصية على رئيس حزب في المعسكر المقابل لنتنياهو، فإما أن تأتي معنا أو نفترق على تفاهم. لكن هيهات أن تتمّ الأمور عندنا بمعقولية وعلى هذا النحو من الصراحة والمباشَرة. والبقية صارت معروفة للجميع. خرج أيمن وأحمد بحملة “بيضة القبّان وإيقاف السياسة الإسرائيلية على رجل واحدة”، وخرج سامي بحملة المظلوميّة والضحويّة واتكأ على كتف برنامج أيالة حسون وشكا. أما الموحّدة، فوجدت نفسها في بحبوحة إذ تعالق شركاء الأمس ولم يفطن بها أحد للتفرّغ إلى شؤون حملتها “المحافظة”.

حتى لا يغوينا الزمن الانتخابيّ فنتضامن مع الضحيّة ـ التجمّع ـ وننسى كلّ شيء آخر، أو كي لا يذهب الناس وراء الإعلام العبري معصوب الأعين، فيُصدّق كل شيء يُناسب أوهامه ومواقفه، علينا أن نصوّب الأمور كي لا تضيع الطاسة:

ـ شعور التجمّع بالمظلومية والخديعة من شريكيّ الأمس ينبغي ألّا يُنسينا حقيقة كونه جزءً من سياسة عربية محلّية وشريكًا كاملًا في الخطاب الذي أفضى بنا إلى هنا. هو مع كل تقدير لأشخاص فيه ومنهم سامي أبو شحادة يشترك مع التيارات الأخرى في انتكاس الوطني الجامع والعجز عن إنتاج فكر سياسي جديد قادر على فكّ التناقض مع حالة الاستعمار. مثله مثل غيره في اعتماد عقيدة وطروحات تقادمت.

ـ يدّعي رموز التجمّع أنهم بدأوا سيرورة مراجعة للسياسة المحلّية لا سيّما تجربة القائمة المُشتركة. لا قيمة لهذه المراجعة إذا لم تشمل عقدين وثلاثة إلى الوراء. ولا طائل تحتها إذا أفضت إلى وقوف التجمّع على تلّة عالية ـ كما يفعل كثيرون من أتبعاه الآن ـ ليحكي مع الآخرين من عليائه كأن لا شأن له بما كان هنا على مدار عقدين وأكثر، وأن الأمر من مسؤولية الآخرين.

ـ المظلوميّة لدى التجمّع لا تكفي لأن تكون برنامجًا سياسيًّا أو وسيلة إقناع لجمهور لا يصوّت بغالبيته لعقائد حزبيّة بل يصوّت استراتيجيًا في مواجهة السلطة واليمين ويموْضِع نفسه استراتيجيًّا في موقع مقابل. المشكلة أن “المشتركة” لم تستطع فهم هذا التموضع ولم تأخذه على محمل الجدّ ولم تطوّره كثقل موازٍ لتحدّي حالة الاستعمار. المظلومية لا تكفي وإن كانت تغذّي شعور الضحيّة/البطولة خاصة إذا جاء على متن الإعلام العبريّ ومن خلال كرم القاهرين ومناوراتهم.

ـ بدء الحديث عن نية اليمين والسلطة شطب التجمّع كقائمة انتخابيّة سيتبعه مطلب إحراجه خارج القانون ـ هذا منطق السياسة في إسرائيل وعقليتها. وهو أمر سيورّط كل التيارات العربيّة الأخرى ويُحرجها ويزيد من مستويات قمع المصوتين العرب وسياسات إبقائهم بعيدًا عن الصناديق. سيحوّلها البعض إلى شهادة امتياز لـ”التجمّع” وينبسط ويرتاح على الشهادة الوطنيّة. لكن سيصير منتهى السياسة عندنا التنادي والنفير لمنع شطب “التجمّع”. عندما دافعتُ أنا وغيري عن ضرورة الوحدة وبقاء المُشتركة وتطويرها وترسيخها كتنظيم جامع وتمثيليّ كنا ندافع عن حقّنا في ألّا تُختزل السياسة هنا في لعبة كهذه.

ـ أفهم لماذا تتدخّل مراكز في الإقليم والخارج في السياسة الإسرائيلية وأنماط اقتراع الناخب العربي الفلسطيني وأعتبره جزء من “طبيعة” السياسة كما تطوّرت. فما من انتخابات في أي دولة، وإن كانت عُظمى، محرّرة من تدخّل عميق لمراكز قوى ومصالح خارجها. مع هذا، أنا على اعتقاد أن القيادة إذا ما استندت إلى مشروع وإرادة جامعة، وإذا ما ارتبطت بشعبها ومصالحه الاستراتيجية تعرف كيف تتدبّر أمرها مع هذا التدخّل وهذه الضغوطات. “المشتركة” ومعها “التجمّع” لم تعمل بناء على مشروع وطنيّ وإرادة جامعة، ولم تتدبّر الأمور على نحو مشرّف ولا حتى معقول.

ـ المراجعات التي بدأت هنا وهناك في الأوساط التي أعرفها وأنشط معها ينبغي أن تستمرّ وأن تشمل كل التفاصيل والتيارات من فرضيّة أن المواجهة الأصعب لم تأتِ بعد وأن التكتيكات الانتخابية التي ترجّح كفّة هذا على ذاك لا غني ولا تُسمن. الحالة حالة استعماريّة ستنزلق إلى قمع بيّنِ، فماذا نحن فاعلون؟ هذا هو السؤال!

Author: مرزوق الحلبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.