إسرائيل والولايات المتحدة: من “العلاقات الخاصة” إلى “علاقات”؟

يجتاز الواقع المحلي والإقليمي والعالمي في هذه الأيام تغيرات جذرية. فهل ستبقى العلاقات الإسرائيلية الأمريكية بمنأى عن التغييرات وعواقبها المتنوعة؟ وهل أن ما كان هو ماسيكون( وفقا للملائمات الظرفية) ؟ هل أن فوائد إسرائيل ستتغلب على وزن العبء الذي قد تشكله على الولايات المتحدة ؟ للإجابة على هذه الأسئلة، فإن التآكل الواضح في ركائز “العلاقة الخاصة” – الأسطورة والمصالح المشتركة،
وأيضا التصدعات في الجسر الذي يربط بين الجالية اليهودية الأمريكية وبين إسرائيل – لا يبشر بالخير.
في إسرائيل، يسود افتراض أنه فيما يتعلق بالعلاقات مع الولايات المتحدة فإن ماكان هو ماسيكون . وبخلاف ادعاء رئيس الوزراء البريطاني في القرن التاسع عشر، اللورد بالمرستون، بأن (بريطانيا) ليس لها أعداء أبديون ولا أصدقاء أبديون، بل مصالح أبدية، تتغير بتغير الظروف، فإن النموذج الفكري الذي يوجه تفكير القيادة الإسرائيلية على مدى اجيالها وغالبية الجمهور هو نموذج مختلف، لا سيما في سياق العلاقات مع الولايات المتحدة. يسود انطباع بأن القيادة وأيضا الجمهور يفترضون أنه ليس بمقدور التغييرات والتقلبات الجيوسياسية والسياسية تغيير جوهر العلاقات بين الدولتين .
وهكذا تستطيع إسرائيل أن تستمر في تحدي الولايات المتحدة، بل وحتى المساس بمصالحها في الشرق الأوسط، دون أن تتخلى الإدارة الأمريكية عن دعمها المبدئي لها. وعلى مدى سنوات كثيرة كان بالامكان دعم هذا التقييم .
ومع ذلك، هل ستتمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها في المستقبل، إذا تم السعي لتحقيقها مع احتمال الإضرار بالأفضليات
الاستراتيجية للإدارة الأمريكية ودون المساس بأساس العلاقات بين الدول؟
في محاولة للإجابة على هذا السؤال، سنستشهد بمقولة الكاتب الأمريكي إرنست همنغواي: “كيف أفلستم؟ بطريقتين. تدريجيًا، ثم فجأة”. يستند هذا القول إلى افتراض أن التغييرات تجري على مر الزمن ويمكن رصدها أو تجاهلها، ولكن عندما ينضج التغيير فإنه ينتهي بفعل أو حدث يبدو مفاجئًا، وعندها فقط تُطرح أسئلة حول أسباب ذلك وما إذا كان من الممكن منعه . هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 يلائم هذا الوصف وأيضا يمكن أن يلائم العلاقات بين إسرائيل وبين الولايات المتحدة .
تقوم العلاقات الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة على ثلاثة ركائز حدثت فيها تصدعات على مر السنين وفي هذه الأيام تتسع هذه التصدعات . بعضها ينبع من اجراءات إسرائيلية، بينما يأتي بعضها الآخر نتيجة اجراءات محلية أمريكية وعالمية تؤثر على العلاقات الثنائية. فهل يمكن رأب هذه التصدعات، أم أننا نواجه نهاية حقبة وبداية حقبة جديدة في العلاقات، ستكون أقل تقاربًا و”خصوصية”؟
الركيزة الأولى هي الاسطورة المشتركة وفهم الولايات المتحدة لنفسها كأمة ذات مهمة عالمية تسعى إلى الخير . وكان الدليل على ذلك، على سبيل المثال، دخول الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى، على حد تعبير الرئيس وودرو ويلسون، بهدف جعل العالم آمنًا للديمقراطية. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى أكثر من ذلك منذ نهاية الحرب الباردة، أصبحت الولايات المتحدة زعيمة العالم الغربي وزعيمة النظام الليبرالي/الرأسمالي، مسترشدة بمبادئ الحفاظ على النظام الديمقراطي وقيم سيادة القانون والحقوق المدنية . وقد نُظر إلى إسرائيل على أنها تسترشد بأخلاقيات مماثلة لتلك التي توجه المجتمع الديمقراطي الأمريكي وكجزء من العالم الغربي، ومن هنا نبع الاستعداد للوقوف معها ومساعدتها .
ولكن الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب تبرز مفهوما كان واضحًا بالفعل خلال ولايته الأولى ويختلف تمامًا عن المفهوم الذي اعتمدته معظم الإدارات الأمريكية السابقة. تتمثل النقاط الرئيسية لهذا المفهوم بالتخلي عن النظام الليبرالي، والاعتراض على أهمية التحالفات على الساحة الدولية ، “أمريكا أولاً” (وفي الوقت نفسه “ترامب أولاً”). وفي موازاة ذلك ، أدخل ترامب تغييرات جوهرية في سلوك إدارته، تعكس حيال الداخل سعيًا دؤوبًا لتقويض النظام الديمقراطي وتوجيهه نحو نظام استبدادي شعبوي. وفي إسرائيل أيضًا يحدث تطور يهدد بتقويض أسس الديمقراطية – في اتجاه مماثل لما يحدث في الولايات المتحدة. بعبارة أخرى، حدث تآكل في قاعدة القيم الليبرالية، التي كانت إحدى الركائز الأساسية للعلاقات بين البلدين. يضاف إلى ذلك التآكل المستمر في دعم إسرائيل داخل صفوف الحزب الديمقراطي، حيث تحول دعم إسرائيل من موضوع يحتل جوهر الإجماع الأمريكي إلى قضية مثيرة للجدل – ويعود ذلك جزئيًا إلى السياسة الإسرائيلية التي تعكس التماهي مع الحزب الجمهوري.
أما الركيزة الثانية فهي المصالح المشتركة، التي تشكلت خلال الحرب الباردة والصراع بين الكتل . اتسمت هذه الفترة بتطابق المصالح في مواجهة العدو المشترك – الاتحاد السوفيتي وشركائه في الشرق الأوسط، الذين سعوا إلى تدمير إسرائيل. رأت الولايات المتحدة آنذاك بإسرائيل حليفًا في الجهود العالمية والإقليمية الرامية إلى إضعاف الاتحاد السوفيتي. أدت نهاية الحرب الباردة ونهاية التهديد السوفيتي إلى ظهورتهديد مشترك جديد – ارهاب اقليمي شرق اوسطي والإرهاب في الساحة الدولية. وإسرائيل، المصممة على مكافحة الإرهاب، استمرت في كونها مهمة للمصالح الأمريكية .
تم النظر إلى المساعدات الإيرانية للمنظمات الإرهابية – حماس وحزب الله وميليشيا الحوثي والميليشيات الأخرى التي تدعمها إيران – تهديدًا مباشرًا على إسرائيل أكثر من كونها تهديدًا للمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط . أما بالنسبة لإيران، فيبدو ظاهريًا أن هذا تهديد مشترك، حتى لو كان محدودًا . وفي حين أن الكثيرين في إسرائيل يرون بالتهديد الإيراني تهديدًا وجوديًا، فإن الولايات المتحدة لا ترى ذلك. ترى الولايات المتحدة بإيران تهديدًا على حلفائها في المنطقة، وبالتالي – تعمل ضد المصالح الأمريكية فيها . من بين التهديدات الثلاثة التي تشكلها إيران على إسرائيل – النووي والصاروخي والتأمر – تُعتبر القضية النووية محورية من وجهة نظر واشنطن، سواءً من حيث الجهود المبذولة لمنع انتشار الأسلحة النووية بشكل عام، أو في سياق العواقب الإقليمية المحتملة لامتلاك إيران سلاحا نوويا . إن حالة عدم اليقين والغموض الحالية بشأن موقف الولايات المتحدة من قضية تخصيب اليورانيوم الحاسمة، إلى جانب رغبة ترامب في تعزيز الصفقات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية دون
استخدام القوة يشكل احتمال احتكاك مع الولايات المتحدة بالنسبة لإسرائيل، التي تسعى إلى تقليص المشروع النووي بشكل كبير (لأنه لا يُمكن القضاء عليه تمامًا). وتُعدّ القضية الفلسطينية نقطة خلاف رئيسية أخرى، وقد اكتسبت مؤخرًا بُعدًا إضافيًا من الإلحاح على خلفية الحرب في قطاع غزة وخطط الرئيس ترامب بعيدة المدى لتشكيل الشرق الأوسط على أساس تحسين العلاقات مع دول الخليج (وللحفاظ على مصالح عائلته الاقتصادية، كما عبّر عنها خلال زيارته للخليج في مايو 2025). تُشكّل الحرب الدائرة في قطاع غزة بشكل عام، وقضية المخطوفين الإسرائيليين لدى حماس بشكل خاص، عائقا أمام جهود الرئيس الرامية إلى إرساء واقع جيوسياسي جديد في المنطقة، يتجسد في تحالف موالٍ لأمريكا كقوة مُوازنة لإيران وحلفائها، بمن فيهم روسيا والصين. وأحد الأهداف المرحلية لهذه الخطة هو تطبيع العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل، حيث يُشكّل رفض إسرائيل اتخاذ خطوات نحو تطبيق حل الدولتين عقبةً رئيسيةً أمام تقدمه. ومن هذه الناحية تقف إسرائيل في الوقت الراهن كعائق أمام سعي الرئيس ترامب لتوسيع دائرة “اتفاقيات إبراهام”، وقد أشارت تصريحاته خلال زيارته للسعودية إلى أنه قرر التخلي عن هذا الهدف في الوقت الراهن. علاوة على ذلك، فإن مركزية المملكة العربية السعودية في سياسة ترامب تجاه الشرق الأوسط قد تُضعف مركزية إسرائيل كأهم حليفة في المنطقة . إن وضع العراقيل في طريق ترامب لإنهاء الحروب، كوسيلة لتسهيل إبرام الصفقات الاقتصادية، قد يؤدي إلى دفعه لترك إسرائيل لوحدها وتخليه عنها . وسيكون أحد اختبارات اهمية إسرائيل الاستراتيجية بنظر الإدارة الأمريكية هو القرار الذي سيتخذه بشأن المساعدات الأمنية لإسرائيل في السنوات المقبلة.
أما الركيزة الثالثة للعلاقات فهي الجالية اليهودية في الولايات المتحدة، التي تُعتبر جسرًا بين المجتمعين والبلدين. وقد ظهرت أيضًا في هذه الركيزة بعض التصدعات في السنوات الأخيرة. فتحول إسرائيل إلى مسألة خلاف بين الأحزاب أثار خلافات أيضا لدى الجالية اليهودية التي لا يزال معظمها يصوت للحزب الديمقراطي رغم مواقفه الانتقادية لسياسة إسرائيل في سياق القضية الفلسطينية. يواجه المجتمع اليهودي بأكمله حالياً ضرورة التعامل مع تصاعد معاداة السامية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول واندلاع الحرب في قطاع غزة، مع استمرار جيل الشباب في إدارة ظهره لإسرائيل، وهو أمر مثير للقلق بشكل خاص . في الختام، يشهد الواقع الامريكي الداخلي ، والواقع الإقليمي والعالمي حالياً تغيرات جذرية. فهل ستبقى العلاقات الإسرائيلية الأمريكية بمنأى عن التغييرات وعواقبها المتنوعة؟ وهل أن ما كان هو ما سيكون (مع مراعاة التعديلات الظرفية)، وهل أن فوائد إسرائيل ستفوق وزن العبء الذي قد تُشكله على الولايات المتحدة؟ للإجابة على هذه الأسئلة، فإن التآكل الواضح في الركائز الثلاث التي تقوم عليها “العلاقة الخاصة” – الاسطورة والمصالح المشتركة، بالإضافة إلى التوجهات السياسية داخل الجالية اليهودية الأمريكية – لا يبشر بالخير.
من منشورات معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي