إسرائيل والحرب على أوكرانيا..موقف دون اصطفاف


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

تبدو إسرائيل مُرتبكة ومترددة، رغم اضطرارها على لسان وزير خارجيتها، يائير لبيد، إدانة العملية العسكرية الروسية على أوكرانيا. إذ اعتبر لبيد قرار الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ببدء العمليات العسكرية انتهاكا للنظام الدولي. وذلك بعد تصريح آخر سابق له، قُبيّل بدء الحرب فجر الخميس الماضي، دعت فيه الخارجية الإسرائيلية إلى حل النزاع الروسي – الأوكراني سلميا، مؤكدةً على موقفها الداعم للسيادة الأوكرانية ووحدة وسلامة أراضيها، في إشارة رفض ناعم لإعلان بوتين واعترافه باستقلال إقليمي دونيتسك ولوغانسك الانفصاليين عن أوكرانيا.

الجدير ذكره أن التصريحات الإسرائيلية التي تدين الحرب الروسية على أوكرانيا منذ بدايتها، قد اقتصرت على الخارجية الإسرائيلية ووزير خارجيتها، ضمن سياسة حذرة استدعت تحييد رئيس الحكومة، نفتالي بينيت، وباقي القيادات، عن التصريح حول الحرب والموقف الرافض لها.

حرب لم تكن تريدها إسرائيل

من كان يتابع موقف الحكومة الإسرائيلية والإعلام الإسرائيلي كذلك، خلال الأسابيع الأخيرة التي سبقت الحرب، ينتبه إلى حجم عدم رغبة إسرائيل بأن تندلع هذه الحرب، وذلك كي لا تضطر إلى أن تكون في الموقف الذي هي عليه اليوم، فآخر ما ترغب به الدولة العبرية، في هذه المرحلة، هو أن تجد نفسها مُجبرة على اتخاذ موقف ما بين واشنطن وموسكو. فقد دعت الخارجية الإسرائيلية طوال الأيام التي سبقت الحرب الروس والأوكرانيين إلى التفاوض والانتصار للغة السلم والحوار. وظلت على هذا حتى إعلان الرئيس الروسي الاعتراف بدونيتسك ولوغانسك كإقليمين مستقلين عن أوكرانيا، إلى أن وجدت إسرائيل نفسها مع بدء العمليات العسكرية، مُضطرة على إدانة موسكو، كموقف مُتوقع منها، قبل أن يُطلب منها من قبل الأوكرانيين، وبالأخص من حليفتها المتماهية معها – الولايات المتحدة الأميركية.

صحيح أن إسرائيل، ليست عضوا في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، لكن الحلف حليفها في سياستها في المنطقة، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية. كما ترى إسرائيل أنها جزء وامتداد يتيم للعالم الغربي “الديمقراطي الحر” في الشرق، ما يفترض وقوفها خلف موقف واشنطن وحلف الناتو حيال موسكو في الأزمة الأوكرانية. إذا كان موقف إسرائيل المُدين للغزو الروسي من المفهوما ضمنا، فما الذي يجعلها مُضطرة إليه؟

تربط إسرائيل بروسيا البوتينية علاقات متينة على أكثر من مستوى في السنوات الأخيرة، أهمها تلك المتعلقة بأمن الدولة العبرية في جبهتها الشمالية، بعد تدخل القوات الروسية في سورية عام 2015، انتصارا لنظام الأسد في حربه ضد الثورة السورية. كان للتدخل الروسي الدور الأساس في قمع الثورة والثوار وتمكين نظام الأسد في حكمه. وقد قدّم الروس منذ قدومهم إلى سورية ضمانات أمنية لإسرائيل، إلى حد اعتبروا فيه حدود إسرائيل حدودًا روسية.

كما ينسق الإسرائيليون في السنوات الأخيرة مع الروس، لتنفيذ ضرباتهم العسكرية – الجوية المتكررة على مواقع للجيش السوري وإيران وحزب الله في سورية، كانت آخرها الغارة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي فجر الخميس الماضي – تزامنا مع بداية الحرب الروسية على أوكرانيا – على موقع لجيش الأسد قرب دمشق، أدت إلى مقتل عدد من جنوده.

لم يحصل أن أدانت روسيا القصف الإسرائيلي المتكرر في سورية، مع العلم بأن روسيا قد أدانت في أكثر من مرة الضربات الجوية الأميركية هناك، كما فعلت في نيسان/ أبريل 2018، عندما تقدمت لمجلس الأمن الدولي بطلب إدانة الضربات العسكرية التي نفذتها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على مواقع للنظام السوري.

لكن في ما يتعلق بإسرائيل، فقد أكدت الخارجية الروسية غير مرة، كان آخرها في اللقاء الذي جمع وزيريّ خارجية البلدين العام الماضي، حين شدد سيرغي لافروف على أن موسكو لن تسمح باستخدام الأراضي السورية ضد إسرائيل، في رسالة طمأنة لتل أبيب من الوجود الإيراني في سورية. وهذا ما تعتبره إسرائيل ضمانا وترتيبا معا لأجندتها الأمنية – العسكرية تجاه الوضع السوري، المكفول بالوجود الروسي.

أن تجد إسرائيل نفسها في موقف محرج من الاصطفاف خلف أحد طرفي الصراع القائم بين واشنطن وموسكو، في العقد الأخير، يعود إلى ما قبل الوجود الروسي في سورية، إذ تغيبت إسرائيل عن التصويت في جلسة للجمعية العامة للأمم المتحدة أدانت فيها الاحتلال الروسي لشبه جزيرة القرم عام 2014. هذا فضلا عن العلاقات السياسية والاقتصادية، وتبادل الخبرات العسكرية بين روسيا وإسرائيل، مما يجعل الأخيرة في موقع يضطرها بين حين وآخر، إلى السير على أطراف أصابعها إزاء روسيا وسياستها المناهضة للولايات المتحدة والناتو، خصوصا في محيطها الجغرافي أو ما تسميه روسيا “مجالها الحيوي” ومنها أوكرانيا.

ليس بسبب واشنطن تجد إسرائيل نفسها مضطرة لاتخاذ موقف من الحرب الروسية على أوكرانيا فقط، وإنما بسبب أوكرانيا نفسها أيضا، إذ تجد إسرائيل نفسها مُحرجة ومضطرة لدعمها، خصوصا في ظل العلاقات الاقتصادية – التجارية بين البلدين. ومن الجدير ملاحظته، أن معظم دول شرقي أوروبا المُستقلة عن الاتحاد السوفييتي بعد انهياره وتفككه مطلع التسعينيات، ومنها أوكرانيا، تُعتبر أقرب وأكثر دعما لإسرائيل على مستوى المجتمعات فيها من مجتمعات دول أوروبا الغربية التي تنشط فيها مؤسسات وجمعيات مناهضة للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، بينما مجتمعات دول شرقي أوروبا أقل تضامنا مع القضية الفلسطينية، وأكثر تعاطفا مع إسرائيل، بما فيها روسيا وبوتين نفسه.

في الأخير

لا يعود الارتباك والتردد الإسرائيلي إلى أن تل أبيب لا تعرف ماذا تريد، وإنما لإدراكها لمصالحها جيدا، ومن هنا تجد إسرائيل نفسها في وضعية اضطرارية تدفعها لاتخاذ موقف دون أن يحسب على أنه اصطفاف خلف طرف دون آخر. لا بل ترى إسرائيل أن موقفها المُدين للعدوان الروسي على أوكرانيا واعتباره انتهاكا، لا يمنعها من أن تكون أقرب للعب دور الوساطة في الأزمة بدل الاصطفاف فيها.

وبحسب هيئة البث الإسرائيلية الرسمية (“كان 11”) فإن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، طلب من بينيت التوسط لدى روسيا من أجل وقف الحرب، ما أكده السفير الأوكراني لدى إسرائيل لاحقا، وهذا ليس استثنائيا، إذ بات الأكورانيون يطلبون التوسط من كل دولة أو جهة يمكنها فعل ذلك، في ظل الوضع الذي باتت فيه عاصمة أوكرانيا، كييف، قاب قوسين أو أدنى من سيطرة الروس.

لا تريد إسرائيل هذه الحرب، لأنها لا تريد أن تأخذ موقفا حيالها، كما لا تريد تغييرا في النظام الدولي الذي قد يخدم أعداء لها في العالم. وبما أن الحرب قد وقعت، فرغبة إسرائيل هي في انتهائها سريعا دون تطورات عسكرية تجعلها مضطرة إلى الاصطفاف فيها لصالح حليفتها واشنطن ضد موسكو. وهذا ما يُعبر عنه في إسرائيل على لسان قادتها اليوم بقولهم “أن تخرج إسرائيل من أزمة موقفها على قدميها”.

عن عرب48

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: علي حبيب الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *