إسرائيل – قوة مهيمنة أم شريك؟ آراء منقسمة في الشرق الأوسط

لم تنتهِ الحرب بعد، لكن النجاحات العسكرية الإسرائيلية حتى الآن تُثير موجات في كل أنحاء الشرق الأوسط بشأن مسألة مكانتها في اليوم التالي للحرب . في هذا السياق، يمكن تحديد ثلاثة تصورات : الأول يخشى من تحول إسرائيل إلى قوة مهيمنة إقليميًا، تسعى ليس فقط للهيمنة العسكرية ، بل أيضًا لتوسيع نطاقها الجغرافي في الشرق الأوسط . أما الثاني فيرى إسرائيل عدوًا لا يقل خطورة عن إيران. بينما يرى الثالث إسرائيل حليفًا رئيسيًا، ويرى في الأحداث فرصة لتعزيز وتوسيع العلاقات معها في مواجهة الأعداء المشتركين.
يشمل التصور الأول أولئك الذين أعادت الضربات القوية التي وجهتها إسرائيل لحماس وحزب الله وإيران إحياء مخاوفهم منها . ففي صيف عام 2025، بعد انتهاء الجولة الأولى من الحرب ضد إيران، حذّر أوفير وينتر وأمير أورون من تصاعد المخاوف في مصر والأردن بشأن الهيمنة الإسرائيلية. وقد استخدم معلقون في وسائل الإعلام الرسمية في هاتين الدولتين مصطلحات مثل “العهد الإسرائيلي الجديد”، و”الاستئثار الإسرائيلي”، و”تغيير خريطة الشرق الأوسط”، و”تهديد وجودي لدول المنطقة”، و”إخضاع النظام العربي”. وأعربوا عن قلقهم من أن تمنح الإنجازات العسكرية الإسرائيلية لإسرائيل ثقة مفرطة بالنفس ، وتشجع قيادتها على تبني نهج يستند على القوة ، لا يقتصر على الهيمنة على نظام إقليمي جديد فحسب، بل يشمل أيضاً سيطرة إسرائيلية على أجزاء من الشرق الأوسط.
وهاك اخرون شاركوا هذه المخاوف. فعلى سبيل المثال، نشر محمد بحرون، رئيس معهد أبحاث إماراتي تربطه علاقات عمل بمعهد متفيم، مقالاً في أغسطس 2025 بعنوان: “عرب الخليج يخشون من تحوّل إسرائيل إلى جوليات “. بحسب قوله، خلص مسؤولون خليجيون إلى أن إسرائيل “لم تعد تسعى إلى مجرد الردع فقط ، بل إلى الهيمنة” ، بعد أن تحولت من لاعب يحافظ على الوضع الراهن إلى لاعب يحاول تغيير النظام الإقليمي بقوته العسكرية وبث الفرقة من خلال مساعدة الأقليات ، كالأكراد والدروز . ووفقًا له، فإن “اتفاقيات إبراهام”، التي كانت تُعتبر حتى الآن ركيزة للاستقرار الإقليمي، تُنظر إليها الآن على أنها تُضفي الشرعية على هيمنة إسرائيل الإقليمية. وقد أُرفق النص بصورة لنتنياهو في مؤتمر صحفي أمام خريطة للشرق الأوسط، مما عزز بصريًا طموح إسرائيل للهيمنة الإقليمية. ولم تقتصر المخاوف على الإنجازات العسكرية فحسب، بل شملت أيضًا تصريحات مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى. وكان للمقابلة التي أجراها رئيس الوزراء نتنياهو مع مراسلة قناة I24، شارون غال، أثر بالغ. فعندما عرضت عليه المذيعة خريطة “الأرض الموعودة” وسألته عما إذا كان ملتزمًا بهذه الرؤية، أجاب نتنياهو: “بالتأكيد”. في غضون ذلك، يواصل وزير المالية تصريحاته بشأن فرض السيادة على الضفة الغربية وغزة ، ويشجع في الوقت نفسه على “الهجرة الطوعية”. وسارعت وزارات خارجية مصر والأردن والسعودية وقطر والسلطة الفلسطينية إلى إصدار بيانات تدين تصريحات نتنياهو.
كما ساهمت تصريحات مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى في تصعيد المخاوف بشأن إسرائيل. فقد صرّح سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، مايك هاكابي، للإعلامي الأمريكي الشهير تاكر كارلسون في مقابلة، بأن لإسرائيل الحق في السيطرة على الأراضي الموعودة لها في التوراة. إلا أنه أوضح أن هذه الأراضي لن تكون بالضرورة جزءًا من إسرائيل، “لكنها ستكون مساحة واسعة لأن إسرائيل أرض وهبها الله، عن طريق إبراهيم، للشعب الذي اختاره”.
“العصر الإسرائيلي الجديد” :
مع بدء الحرب على إيران، تعززت لدى خصوم إسرائيل فكرة هيمنتها. فعلى سبيل المثال، كتب عمرو موسى، الأمين العام المصري السابق لجامعة الدول العربية (2001-2011)، على حسابه في شبكة X أن هذه خطوة إسرائيلية أمريكية مُخطط لها، تهدف إلى خلق واقع جيوسياسي جديد في المنطقة تسعى إسرائيل إلى قيادته.
وأعرب مثقفون وإعلاميون عرب عن آرائهم في سياق مماثل. فقد صرّح المصري إبراهيم نوار في صحيفة القدس العربي، وهي صحيفة عربية بارزة، بأن “عهد الهيمنة الإسرائيلية بات وشيكًا”. وكتب أحمد منصور، وهو مصري الأصل أيضًا، ومقدم برنامجين شهيرين على قناة الجزيرة، أنه بعد القضاء على المحور الشيعي، ستسعى إسرائيل إلى السيطرة على المحور السني من خلال تحالف مع الهند وقبرص واليونان.
ومن الحجج الشائعة في المقالات الصحفية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي في الشرق الأوسط أن إسرائيل هي من بدأت الحرب وضغطت على ترامب لدعمها، بهدف فرض نفوذها على المنطقة، وبالتالي تحقيق الهيمنة الإقليمية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
ومن الحجج الشائعة في المقالات الصحفية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي في الشرق الأوسط أن إسرائيل هي من بدأت الحرب وضغطت على ترامب لدعمها، بهدف فرض نفوذها على المنطقة، وبالتالي تحقيق الهيمنة الإقليمية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
وبرز هذا التصور أيضاً لدى أولئك الذين لا يُشتبه في عدائهم المتأصل لإسرائيل. فعلى سبيل المثال، جادل حازم تساريا، وهو معلق سياسي لبناني بارز عمل مع البروفيسور عمانوئيل سيفان وإسرائيليين آخرين، في صحيفة الشرق الأوسط العربية الرائدة، بأن إسرائيل تدخل “عصرها الجيولوجي”، الذي تسعى فيه إلى “إعادة تشكيل الأرض والبيئة، وربما السكان أيضاً، لا سيما في غزة، وكذلك في جنوب لبنان”.
وبالمثل، اتهم الصحفي البحريني عبد الله الجنيد نتنياهو بإشعال الحرب لخدمة رؤيته التوسعية. ويعتقد كل من الجنيد والدكتور عزيز الغاشيان، الباحث السعودي العامل في معهد متفيم الإسرائيلي، أن الحرب جعلت التطبيع مع السعودية مستحيلاً.
الجيران السيئون :
أما الرأي الثاني فيرى أن كل من يُلحق الضرر بالأراضي العربية هو عدو، وفي هذا الصدد، تُعتبر إيران وإسرائيل وجهين لعملة واحدة . وكان الكاتب القطري خالد الخنجي من أبرز من عبّر عن هذا الرأي، إذ زعم أن الرأي العام في الخليج يعاني من تناقض معرفي بين معارضة إسرائيل انطلاقاً من التضامن مع الفلسطينيين، والقلق الوجودي إزاء التدخل الإيراني في قضايا الخليج الحيوية. في المقابل، زعم المحلل الإماراتي البارز عبد الخالق عبد الله أن إيران هي العدو الأول، لكن إسرائيل أيضاً “جارة سيئة” ذات نوايا توسعية في المنطقة. أما حسين إبيش، الباحث اللبناني المرموق (الذي ينشر مقالاته أيضاً في صحيفة هآرتس)، فقد زعم أن دول الخليج تنظر الآن إلى إسرائيل كعامل فوضى في الشرق الأوسط، تماماً كما تنظر إلى إيران.
فرصة في خضم الحرب :
لا ينظر التصور الثالث إلى استعراض إسرائيل لقوتها العسكرية كتهديد، بل كفرصة لبناء تعاون وعلاقات جديدة في الشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال، توقع أنور قرقاش، مستشار رئيس الإمارات العربية المتحدة، أن يؤدي الهجوم الإيراني على دول الخليج إلى توطيد علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ويرى أن الدول التي تربطها علاقات بإسرائيل ستعززها، بينما قد تفتح الدول التي لا تربطها بها علاقات قنوات جديدة.
في هذه المرحلة، من الواضح أن التيارات النقدية تجاه إسرائيل تحظى بشعبية أكبر، خاصة بين عامة الناس، بينما يتوافق التيار الإيجابي مع تفكير صناع القرار، وإن كان غير منتشر حاليًا ويقتصر في الغالب على أفراد من الإمارات – الدولة الأكثر تعرضًا للهجمات في الخليج.
تخلق النجاحات العسكرية الإسرائيلية وصورتها كقوة إقليمية مؤثرة في واشنطن شعورًا بالرهبة في المنطقة. قد يرى البعض أن هذا هو ما تحتاجه إسرائيل تحديدًا، لا سيما في أعقاب أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول. مع ذلك، ينبغي على صانعي القرار الإسرائيليين إدراك احتمال أن يؤدي ذلك إلى عزوف عن الانخراط علنًا، وإلى رغبة في تهميشه، سواء بتعزيز المطالبة بدولة فلسطينية أو بإنشاء ترتيبات إقليمية جديدة تُبقي إسرائيل قوية، ولكن معزولة. وقد يُنذر التقارب الحالي بين تركيا وباكستان والسعودية ومصر بترتيب جديد لن يكون في صالح إسرائيل.