إذا كان ابن سلمان يريد “شراء” دولة للفلسطينيين، فعليه أيضًا الاتفاق على الحدود والتكلفة

في كل مرة يظهر مصطلح “دولة فلسطينية” في الخطاب السياسي في إسرائيل، تقفز فورًا جوقة الـ“لا”. ويتجلّى ذلك في التغريدات، وفي التصريحات المصوّرة، وفي التحذيرات الشديدة حول “المخاطر”، سواء من جانب الحكومة وحلفائها أو من جانب معظم أطراف المعارضة.
أما على الجانب الفلسطيني، فيتشبثون بكل ذكرٍ كهذا، فرحين بأن هناك من لا يزال يتبنى الفكرة.
لكن شيئًا أعمق يحدث هنا: فمصطلح “دولة فلسطينية” قد تآكل حتى تلاشى وتشوش — وليس ذلك مصادفة. فإسرائيل في السنوات الأخيرة، وخاصة حكومات نتنياهو، تبذل جهدًا متواصلًا لمحو الخط الأخضر من الوعي ومن الخطاب. وفي هذا السياق اختفى تقريبًا تمامًا مصطلح “دولة فلسطينية على أساس حدود 67”. وهكذا يُستبدل النقاش حول الحدود والسيادة بنقاش بديل — مجرد، فارغ، وكأن السيادة سلعة قابلة للتداول.

في الأسبوع الماضي كشف ناحوم برنيع أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب من دونالد ترامب الدفع خلال خمس سنوات نحو إقامة دولة فلسطينية. لكن اللافت كان ما لم يحدث بعد هذا التقرير: لا في رام الله ولا في غزة ظهر أي تأثر.
فالذاكرة التاريخية ما زالت حاضرة — اتفاقيات أوسلو أيضًا كانت اتفاقيات مرحلية لخمس سنوات، لكنها تحولت فعليًا إلى إطار دائم يفرض القيود على الجانب الفلسطيني، بينما توسّع إسرائيل سيطرتها، ويستمر تقليص الحيّز الفلسطيني.

والواقع على الأرض يتحدث بوضوح: السلطة الفلسطينية لا تسيطر على أكثر من 20٪ من مساحة الضفة الغربية، وفقط في المدن المركزية؛ وفي قطاع غزة تسيطر إسرائيل فعليًا على نحو 53٪ من المساحة: في المجال الجوي، والبحر، ومعظم مناطق العازل. ولا يوجد أي جدول زمني لإنهاء هذا التحكم، ولا حتى إعلان نوايا بهذا الخصوص.
أما الحديث القديم عن “تبادل الأراضي” — كجزء من تصور إعطاء أراضٍ للفلسطينيين حول قطاع غزة مقابل كتل الاستيطان — فيبدو اليوم تقريبًا كحكاية بعيدة. وكذلك فكرة “ممر آمن” بين الضفة والقطاع اختفت من النقاش العام، وكأنها فصل سقط من كتاب التاريخ.

عمليًا، قد يجيب ترامب ابن سلمان: “بالتأكيد، دولة فلسطينية — على 47٪ من مساحة القطاع، و20٪ إلى 40٪ من مساحة الضفة”. معًا، يشكل ذلك نحو 80٪ من الإقليم الفلسطيني — تمامًا كما عُرض في “صفقة القرن” لترامب. لكن كل إنسان منصف يدرك: لا يوجد هنا ارضية لدولة. بل مساحة محاصرة، مقسّمة، بلا سيادة وبلا مستقبل. دولة بالاسم فقط، لا في الواقع. كيان لن يتمكن من التطور وسيطرد سكانه في نهاية المطاف.

لذلك، إذا كان ولي العهد السعودي يريد حقًا الدفع نحو إقامة دولة فلسطينية — أكثر من أي طرف آخر في الساحة الدولية — فعليه أن يوضح ما الذي يقصده. فحتى في عالم العقارات الذي يحبه ترامب، إذا أراد ابن سلمان “شراء” من الأميركيين دولة للفلسطينيين — عليه أن يعرف حجمها، حدودها، عدد سكانها، وما هو مستقبلها المحتمل.
فشخص مثله لا يشتري “قطًّا في كيس”، وقد أعلن بالفعل أنه سيستثمر تريليون دولار في الولايات المتحدة، وربما سيحتاج أيضًا إلى الدفع لإسرائيل، وليس فقط عبر التطبيع. ففي العالم الجديد الذي تتحكم فيه القوة والمال، لم تعد هناك حاجة لإدارة مفاوضات أو خوض كغاح مسلح لتحقيق الدولة — بل يمكن ببساطة شراء قطعة أرض للفلسطينيين. ولكن حتى في هذه الحالة يجب الاتفاق على الحدود والتكلفة.

المصدر: هآرتس

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *