نقاش السلاح الفلسطيني .. في التعقيب على ماجد كيالي

صدر حديثاً للكاتب الفلسطيني ماجد كيالي، كتابه “نقاش السلاح.. قراءة في إشكاليات التجربة العسكرية الفلسطينية” (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2020)، والذي يقوم بمراجعة للتجربة العسكرية الفلسطينية في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية في العام 1965.
قد يتفق القارئ كثيراً مع تقييم الكتاب التجربة العسكرية الفلسطينية وقد يختلف كثيراً أيضاً، تبعاً للموقف الإيديولوجي أو الحزبي أو الرؤية السياسية التي يؤمن بها فيما يتعلق بدور السلاح. إلا أن ماجد كيالي يرفع في تقييمه غطاء القدسية عن النقاش في موضوع يحتل موقعاً متقدماً في قائمة “المقدسات النضالية” الفلسطينية والتي يحرم الجدل فيها، وهو موضوع الكفاح المسلح الذي ارتبط تاريخياً بوجدان الفلسطيني المقاوم، ورافقه في رحلة التهجير التي امتدت عقودا، ويقدم رؤية نقدية موضوعية مدعمة بالحجة المتماسكة، لطالما احتاجها العمل السياسي الفلسطيني ولم يجدها.
يستعرض الكتاب أخطاء كثيرة وقع فيها الفلسطينيون في فهمهم لدور السلاح في مسيرة التحرير، وبالطريقة التي وظفوا فيها السلاح للتعامل مع التحدّيات التي واجهت مسيرتهم النضالية. يجادل

كيالي في أن التجربة الفلسطينية المسلحة افتقدت الإطار النظري الذي يصوغ تعريفاً واضحاً ومحدّداً لمفهوم استخدام السلاح والدور الوظيفي له في مسيرة التحرير، والكيفية التي يمارس بها، والثمن الذي يدفعه الفلسطينيون لقاء استخدامه، وارتباط ذلك كله بالهدف النهائي المتمثل في التحرير. وعوضاً عن تعريف دور محدّد للسلاح في التجربة الفلسطينية، يناقش كيالي كيف جعل الفلسطينيون من السلاح أيقونة مقدّسة فوق النقد والتقييم لما قدمه فعلاً في تقريب الفلسطينيين من الحلم الوطني، التخلص من الاحتلال. ويُخضع هذه الأيقونة (السلاح) للمساءلة بكيفية مسؤولة وعقلانية وموضوعية، والأهم من ذلك كله ربطها بعامل الجدوى من استخدام السلاح، المتمثلة في قدرته على تقريب الفلسطينيين من أهدافهم الوطنية.
يشدد الكتاب على التمييز ما بين “شرعية السلاح” و”جدوى السلاح”، ففي حين اعتبر استخدام السلاح حقا مشروعا للفلسطينيين في كل مراحل النضال الوطني، للذود عن أنفسهم وللدفاع عن أرضهم، وهو أيضاً حق كفلته لهم القوانين والمواثيق الدولية، يرى أن الجدوى من استخدام السلاح أمر آخر، ومن الضروري عدم الخلط بينهما. من ناحية الجدوى، يعتبر كيالي أن مساهمة الكفاح المسلح في النضال الفلسطيني تمثلت في استنهاض الشعب الفلسطيني، خصوصاً بعد نكسة حرب يونيو/حزيران 1967، وتوحيد صفوفه، ووضع القضية الفلسطينية في السبعينيات على الاجندة الدولية. ولكن السلاح، بعد ذلك، تحول عبئا كبيرا يدفعه الفلسطينيون من دون أن يحقق لهم أي إنجازات وطنية، أجبرت إسرائيل على تقديم تنازلات. وعلى العكس، فإن ما يعتبره بعضهم المنجز الوطني الوحيد، قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، فقد تم تحقيق ذلك من خلال الانتفاضة الأولى (1987 – 1993)، وليس عن طريق الكفاح المسلح. أما الانتفاضة الثانية التي استخدمت الكفاح المسلح فقد قادت إلى إقامة جدار الفصل العنصري وفرض الحصار على غزة وتهويد القدس. وليس هذا فحسب، بل ووجهت الخسائر المادية الهائلة التي تكبدها الفلسطينيون بخسائر إسرائيلية قليلة جداً.
يرى الكاتب أنه حتى يحقق السلاح إنجازات وطنية لا بد أن ينسجم ذلك أولاً مع البيئة المناسبة والموازين الدولية التي تمكنه من ذلك، وهذا قد تغير جوهريا لصالح إسرائيل، فأين الاتحاد السوفييتي، حيث تقيم روسيا علاقات غير مسبوقة مع إسرائيل، يتساءل الكاتب، وأين الصين التي كانت أول دولة تستقبل وفدا لحركة فتح، والتي تقيم هي الأخرى علاقات مع إسرائيل تزعج الحليف الأميركي، ثم أين الهند قائدة دول عدم الانحياز، تحكمها اليوم قيادة يمينية تتماهى مع الأجندة الترامبية أكثر من غيرها. وعليه، يرى كيالي أن الكفاح المسلح في التجربة الفلسطينية قد وصل إلى طريق مسدود، فهناك فصائل فلسطينية قد أصبحت غير قادرة على ممارسته، على الرغم من تغنيها المستمر به، حركة حماس مثلا، فقد وصلت إلى النتيجة التي توصلت إليها حركة فتح، وأصبحت أكثر حرصاً على التهدئة من أي طرف آخر. كما أن “فتح”، على الرغم مما مر على النهر من ماء، ما زالت تعتاش على أدبياتها القديمة بشأن السلاح واستخدامه.
على الرغم من الطرح القوي والمتماسك الذي يقدّمه الكتاب بشأن دور السلاح في التجربة

الفلسطينية، إلا أن هناك نقاطا تحتاج مزيدا من النقاش. أولاً، فيما يتعلق بالمنهجية والوصول إلى النتائج: يحاكم الكاتب التجربة الفلسطينية القائمة على السلاح بالنتائج النهائية للتجربة نفسها، وهي التي للأسف لم توصل الشعب الفلسطيني إلى أهدافه الوطنية، ولا حتى جزء منها، فمن غير الواضح كيف يمكن لنا اعتبار عامل من عوامل التجربة (السلاح في هذه الحالة) المسؤول المباشر عن النتيجة النهائية، إيجابية كانت أم سلبية، فانتصار الهند وحصولها على الاستقلال لا يمكن ردّه إلى استخدام أسلوب اللاعنف الذي انتهجه غاندي، فهناك عوامل أخرى مهمة تتعلق بطبيعة الاستعمار والمستعمِر والبيئة الدولية وغيرها الكثير. وكما تُجادل حنة آرنت، لو أن غاندي كان يواجه ستالين أو هتلر لرأينا نتيجة مغايرة تماماً في الهند. ولا حتى التجربة الفيتنامية يمكن لها منهجياً أن تقيم الحجة لصالح الكفاح المسلح أنه كان صاحب الفضل الأساس في هزيمة الولايات المتحدة، فلو كان الفيتناميون مثلاً يواجهون استعمارا استيطانيا إحلاليا اقتلاعيا، لربما كانت النتيجة هناك مغايرة أيضاً. وعليه، لا تقيم النتيجة النهائية الحجة على النهج المتبع، قد تقيمها ولكن ليست بالضرورة، كالقول إنه لولا الكفاح المسلح لكانت النتائج أسوأ بكثير، كأن يتم وأد الحركة الوطنية المقاومة في مهدها.
ثانياً: يبدع ماجد كيالي في تفسير أثر “قدسية السلاح” السلبي على التجربة الفلسطينية، ومنها كيف أدّى تقديس الكفاح المسلح إلى طغيان العسكرة على جوانب كثيرة في العمل السياسي الأخرى، حتى في علاقة الفصائل مع مجتمع الفلسطينيين، إلا أن الموضوع بحاجة إلى مزيد من النقاش في مسببات التقديس التي يتفق كاتب هذه المقالة أنها أضرّت بالمسيرة النضالية، ولكن يبقى السؤال: لماذا كل هذا التقديس لأسلوب نضالي محدّد؟ وهنا يقدم الكاتب أسبابا، مثل أن المزايدات السياسية ما بين الفصائل كانت المسؤولة عن ظاهرة التقديس. ويشير إلى أسباب أخرى لشعبية السلاح، منها شعبية المقاومة المسلحة ضد النازية، بدفع من الاتحاد السوفييتي والحلفاء، وانتصار نموذج المقاومة المسلحة في الجزائر وفيتنام، ونجاح حرب العصابات في الصين وكوبا، وبروز شخصيات مثل كاسترو وجيفارا، وكذلك أيضاً استلهام التجربة الفلسطينية نفسها في 1963.
كل هذه العوامل مهمة، وقد ساعدت فعلاً في لفّ السلاح بغطاء القداسة، ولكن الأسباب أقوى وأبعد من ذلك بكثير، فالإسرائيليون أنفسهم يقدسون السلاح، وربما بوتيرة أعلى منها لدى الفلسطينيين، وبالتأكيد لأسباب أخرى، غير التي أوردها الكتاب في تفسير الظاهرة الفلسطينية، ويظهر ذلك في ضآلة فرص أي مرشح لانتخابات رئاسة الوزراء الإسرائيلية إن لم يكن لديه تاريخ عسكري حافل، مثل شيمون بيريس، مع تاريخه الطويل في خدمة الدولة، ظل الفشل حليفه في الانتخابات التي خاضها بسبب خلو تاريخه السياسي من العسكرة. الولايات المتحدة تفخر بتاريخها العسكري المقاوم للاستعمار البريطاني، وكذلك معظم الدول التي خضعت لاستعمار أجنبي. أي أن قضية تبنّي السلاح في حالة الاستعمار الأجنبي مسألة ذات بعد عالمي، عابر للثقافات الإنسانية، والفلسطينيون ليسوا استثناء من ذلك، فالفلاح الفلسطيني الذي حمل السلاح للدفاع عن أرضه لا يهمه كثيراً ستالين وماوتسي تونغ وكاسترو، لكنه قام بذلك لسببين: فقدانه مصدر رزقه المتمثل في الأرض، والدفاع عن كرامته المهدورة والتي عايشها في مرارة اللجوء. صحيحٌ أن دولا عربية كثيرة لم تحصل على استقلالها بالكفاح المسلح، مثل سورية ومصر والمغرب والعراق، كما يناقش كيالي، ومع ذلك لم تخل أيٌّ من هذه التجارب من المقاومة المسلحة بشكل أو بآخر، والتي كانت نتيجة الوجود العسكري الأجنبي المباشر. وبسبب ما يثيره الوجود العسكري الأجنبي من التهاب للمشاعر الوطنية لدى الشعوب المحتلة، نرى أن الدول العظمى تخلت عن هذا الشكل، وبحثت عن أشكال جديدة للاستعمار الحديث، للمحافظة على مصالحها.
هل وصل الكفاح المسلح فعلاً إلى طريق مسدود، كما يذهب الكتاب؟ ربما، ولكن لا ندري بشكلٍ
مؤكد بعد. الكاتب محق في نقد التجربة المسلحة لحركة حماس التي أصبحت أكثر حرصاً على التهدئة أكثر من الإسرائيليين أنفسهم، وأنها وجدت نفسها في وضع مماثل للذي وجدت “فتح” نفسها فيه. وصحيح أيضاً أن فرص “حماس” العسكرية مستقبلاً تبدو صعبة، ولكن في الوقت نفسه لم تنته هذه التجربة بعد. كذلك هناك فرق مهم بين التجربتين، أن “فتح” كانت تقاتل على أرض غيرها، وهو أمر ينتقده كيالي في بداية الكتاب، أطلق عليه سياسة “التوريط المباشر التي انتهجها الفلسطينيون مع الدول العربية”، بينما تقاتل حماس على أرض فلسطينية، وخيار “الخروج من بيروت” أو “الخروج من غزة” ليس وارداً. لقد دفع الفلسطينيون في غزة ثمناً كبيراً وما زالوا لهذه التجربة، وهذا عامل مهم جداً، كان أحد المحاور الرئيسية في نقاش الكاتب جدوى السلاح وثمنه، وليس شرعيته. وعلى الحركة الإسلامية عدم إغفال هذا الجانب، بل أن يكون جزءًا أساسياً تأخذه بالحسبان في استراتيجياتها المقبلة. وقراءة كتاب ماجد كيالي والتمعن في أطروحاته عون مهم لصياغة هذه الاستراتيجية.
لا يقدم الكتاب حلولاً بديلة لخيار الكفاح المسلح للفلسطينيين. وللإنصاف، لا يدّعي أن مهمته القيام بذلك، حيث يقتصر الموضوع على تقييم التجربة العسكرية التي تبنتها الثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها، وبذلك يلقي الكرة في ملعب الفلسطينيين على أكثر من صعيد. تجربة السلاح ليست مقدسة، ويجب إخضاعها للمراجعة والنقد البنّاء والمسؤول، وذلك من أجل مسيرة وطنية كفاحية صحية، تتعلم من أخطائها وتبني على إنجازاتها. وعلى الباحثين التقاط هذه الدراسة، وأخذها خطوة إلى الأمام والاستفادة منها في وضع حلول وتصورات لاستراتيجية كفاحية تتلاءم ومتطلبات المرحلة الحالية والمقبلة. وأخيراً، على السياسيين الابتعاد عن دفن الرؤوس في الرمال، والإجابة على تساؤلات وتحدّيات مهمة، يقدمها كتاب ماجد كيالي، في نقده تجربة دفع الشعب الفلسطيني من دمه ومعاناته الكثير من أجلها.

(العربي الجديد، 13/6/2020)

Author: إبراهيم فريحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *