أي مشروع وطني فلسطيني نريد؟ .. تعقيب على تعقيب

خصني الزميل معين الطاهر، في جل تعقيبه، الذي حمل عنوان “المشروع الوطني الفلسطيني المقاوم.. تعقيب على ردود”، ونُشر في “العربي الجديد” عدد 15 يونيو/ حزيران 2020. وردّ فيه على مقالي “حوار مع معين الطاهر.. بين المشاريع السياسية والأوهام الفلسطينية”، نشر في “العربي الجديد” عدد 10 إبريل/ نيسان 2020. ولأهمية الأفكار التي طرحها الطاهر، أعود إلى مناقشة ما كتب. لأني أعتقد أن من أهم ما افتقدته الساحة السياسية الفلسطينية في العقود الثلاثة الأخيرة هو الجدل السياسي، الذي لم يعد ملحوظاً في الساحة الفلسطينية، حتى بعد توقيع القيادة الفلسطينية اتفاق أوسلو، لم نجد الجدل السياسي المباشر، كما جرى، بشأن الدولة الديمقراطية في مطلع السبعينيات، وبعدها البرنامج المرحلي في منتصف السبعينيات، والجدل الذي شهده الوضع الفلسطيني بعد الخروج من بيروت والانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني في منتصف الثمانينيات. أما بعد “أوسلو”، فلم يجرِ جدل فلسطيني عميق، تستحقه حالة التحوّل الكبرى التي شهدتها الساحة الفلسطينية بسببه. بالتأكيد، هناك انتقادات ووجهات نظر متنوّعة معارضة للاتفاقات، باعتبار هذه الخيارات خياراً جلب الكوارث للساحة الفلسطينية. وهناك دراسات عالجت أثر “أوسلو” على الوضع الفلسطيني، ولكن جدلاً مباشراً بشأن ما آلت إليه الأوضاع الفلسطينية بعد “أوسلو” وسبل الخروج منها لم يحدث، أو لا يتذكر كاتب هذه المرافعة أنه وقع. وواحدة من أهم الفوائد التي تجنيها القوى السياسية والعاملون في الحقل العام من الجدل السياسي اختبار الأفكار والحلول المطروحة. والساحة الفلسطينية اليوم بحاجةٍ، أكثر من أي وقت مضى، لهذا الجدل وعلى كل القضايا، لنفض الغبار عن الأفكار والخيارات والوسائل التي يمكن أن تُخرج الوضع الفلسطيني من المأزق العالق فيه.

تستحق أفكار طرحها معين الطاهر النقاش، ولكن هذه العجالة تركز على القضايا التي أعتقد أنها أكثر أهمية.

التاريخي والممكن

جاء الظلم التاريخي الذي وقع على الفلسطينيين، والأساس المكوّن للصراع في فلسطين، بفعل المشروع الصهيوني الذي اقتلع الفلسطينيين من أرضهم، وبنى على أنقاض وطنهم دولة إسرائيل في عام 1948. وتقاطع مصالح دولية عديدة بعد الحرب العالمية الثانية، جعل هذا المشروع قابلاً للتحقيق على أرض الواقع. وبالتالي، للفلسطينيين الحق التاريخي في أرضهم التي سلبت منهم. ولكننا اليوم لسنا في اليوم التالي لتأسيس إسرائيل، ولا نقف عند الأساس المكون للصراع فقط. لقد جرت مياه كثيرة بعد ذلك، غيّرت المنطقة، ونقلت الصراع نقلات نوعية. فنحن اليوم لا نعيش آثار الجريمة التي ارتكبت بحق الفلسطينيين في 1948 فحسب، فقد ارتكبت إسرائيل جرائم أخرى بحق الفلسطينيين ودول عربية أخرى، وكانت ذروتها حرب يونيو/ حزيران في 1967 أيضاً، والتي أنتجت آثاراً على الفلسطينيين والمنطقة، لا تقل خطورة عن التي حصلت في 1948.

السؤال في هذا السياق: هل يمكن معالجة آثار هزيمة 1948 من دون معالجة آثار الهزيمة اللاحقة في 1967؟ هل نستطيع أن نحقق ما لا يقرّه لنا العالم من حقوق، على الرغم من قناعتنا بأنه حقنا التاريخي، قبل أن نحقق ما يقرّ لنا العالم به، ولم نملك حتى اليوم القوة ووسائل الضغط لتحقيقه؟ أسوق مثلاً حتى أوضح ما أقصده. روى لي أحدهم أن حواراً دار بين جورج حبش وياسر عرفات في تونس، بعدما عرف بحرب تحرير الكويت في 1991. يقول حبش لعرفات: “ما زلتُ مؤمناً بأنه لا يمكن هزيمة المشروع الصهيوني، من دون هزيمة المشروع الأميركي في المنطقة”. يردّ عرفات بلغة عتب ودي “أحنا (يقصد الفلسطينيين) مين لنهزم الأميركان يا حكيم؟”. لست متأكّداً أن هذا الحوار جرى بين الرجلين، لكني أميل إلى تصديقه، لأنه يشبه الرجلين على ما أعتقد. من المحقّ في هذا الحوار؟ الرجلان محقان. ما قاله حبش محق، لأن ارتباط إسرائيل بالولايات المتحدة عضوي. وما قاله عرفات محق، لأن ليس لدى الفلسطينيين القدرة على هزيمة كل هؤلاء الأعداء، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة. وإذا عدت إلى لغة السياسة، يصبح الحق التاريخي غير القابل للتحقق سياسة عبثية في واقع ومعطيات تاريخية تجعل إمكانية تحقيقه مستحيلاً، في وقتٍ يمكن انتزاع حقوق تاريخية، ضمن المعطيات والظروف التاريخية القائمة، من دون أي تنازل على الرواية التاريخية بالظلم الهائل الذي لحق بالفلسطينيين، ويلحق بهم حتى عندما ينتزعون جزءاً من حقوقهم.

مسألة مهمة يجب أخذها بالاعتبار عند تحديد الهدف، غالباً ما تغيب عن الجدل الفلسطيني؛ أن الحقوق التاريخية هي، في النهاية، حقوق بشر، وليست مجرد قضايا البشر وقودها. أي أن الهدف السياسي يجب إنجازه لأنه يُقرب البشر من حقوقهم، وليس لأن الحقوق قضية منفصلة عن أصحابها، يجب الوصول إليه حتى ولو على حساب أصحابها. بمعنى آخر، ليس هناك حقوق يجب النضال من أجلها إلى الأبد، من دون الأخذ بالاعتبار أصحاب الحقوق أنفسهم. أقول هذا لأن القضية الفلسطينية تحولت عند الفلسطينيين وعرب كثيرين إلى “حق مجرد”، غير مرتبطة بالفلسطينيين أصحاب الحق، إنما مرتبطة بإرادات عليا، سواء إلهية أو قومية أو وطنية. يجب أن يكون الهدف السياسي مجدولاً بحياة الناس، لا أن يستخدمهم ذريعة أو وقوداً لصراعٍ لا ينتهي.

هذه الخلفية التي تجيب عن السؤال الذي يطرحه الطاهر “ماذا نستفيد من إثارة هذا النقاش حول صلاحية بنود الميثاق؟” اعتراضاً على مناقشتي بنوداً للميثاق الوطني الفلسطيني لم تعد صالحة، ولم تعد ممكنة، من وجهة نظري. نستفيد من هذا النقاش بأن نبدّد الوهم. قد يراني الطاهر على يمين من طالبوا بتعديل الميثاق في اجتماع المجلس الوطني عام 1996، وهذا حقه، أن يراني أينما يشاء على الخريطة السياسية الفلسطينية، هذا إذا كان هناك حقاً خريطة تصنيف سياسي فلسطينية صالحة، في ظل هذه الفوضى السياسية التي تعيشها الساحة الفلسطينية. نعم، يا صديقي، نحتاج إلى نقاش كل التفاصيل الفلسطينية، الكبيرة والصغيرة، إذا أردنا فعلاً أن نخرج من هذا القاع الذي وصلنا إليه. هل ما زال الميثاق الوطني الفلسطيني يصلح جامعاً وطنياً؟ وهل ما زال وثيقة سياسية صالحة لتوجيه العمل السياسي الفلسطيني؟ وهل ما ينصّ عليه هدف قابل للتحقق في الواقع التاريخي للمستقبل؟ هل نحتاج إلى وثائق جديدة لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، أم يكفينا ما لدينا من وثائق تم إقرارها؟ وغيرها أسئلة كثيرة تحتاج إلى نقاش وطني، لنعرف على أي أرضٍ نقف. وأكثر من ذلك، بات من الضروري طرح كل شيء للنقاش، حتى القضايا التي تبدو بديهية، من شاكلة: هل ما زالت منظمة التحرير، بكل العفن الذي تعيشه، ممثلاً للشعب الفلسطيني؟ قد يبدو السؤال متهوراً، ولكن حقيقةً ماذا تعني منظمة التحرير اليوم، سوى أطلال نتغنّى على أمجادها، وأين هي ممثلاً للفلسطينيين مما يجري للفلسطينيين في غزة وسورية ولبنان، وحتى في الضفة الغربية، عن أي منظمة نتحدّث وعن أي ممثل شرعي وحيد؟ من أين يستمد شرعيته؟ يجب ألا نخاف من الأسئلة والحوار والجدل، ويجب ألا ندفن رأسنا في الرمل في أي من القضايا، فالوضع الفلسطيني المزري لا يمكن الخروج منه بالاستنكاف عن معالجة الأسئلة الكبرى والملحّة.

يستغرب الطاهر موقفي من أن القوى السياسية الفلسطينية باتت جزءاً من الأزمة، وليست جزءاً من الحل، ويستغرب تساؤلي عن كيفية المحافظة على وحدة الشعب الفلسطيني في الخارج وفي الوطن كله، وكيفية إقامة “روابط الوحدة بين هذا الشتات الفلسطيني، وعلى خلاف السلطات التي تخضع لها التجمعات الفلسطينية” (هذا النص لي)، ويعتبرني “متناسياً مرة أخرى أنّ منظمة التحرير تمكّنت سابقاً من تحقيق ذلك، وأنّ ما مزّق هذه الوحدة كان اتفاق أوسلو”. يبدو أن الطاهر ينسى عامل الزمن، وأستطيع أن أجادل بالعكس، (على الرغم من أن هذا سيجعل صورتي أكثر يمينية في تصنيفات الطاهر) من أن تمزق الوحدة الفلسطينية، وحالة الوهن الفلسطيني التي حدثت بانتهاء الانتفاضة الفلسطينية الأولى، بسبب حرب الكويت، هو الذي أوصلنا إلى “أوسلو” وليس العكس. لم نكن في أحسن حال قبل اتفاق أوسلو، كما يحاول أن يصور بعض نقاده. وأعتقد أكثر من ذلك، أن منظمة التحرير تمكّنت من أن تكون ممثلاً للشعب الفلسطيني، لتمسك الفلسطينيين بإطارهم التمثيلي، وليس للقدرات التمثيلية الرديئة التي تمتعت بها منظمة التحرير تاريخياً، حتى في أفضل أيامها، التي لم تكن طويلة، إذا ما عدنا إلى الانقسامات الفلسطينية ـ الفلسطينية، التي شهدتها العقود الماضية، منذ الخلاف على برنامج النقاط العشر، وصولاً إلى الانقسام الحاد، بعد الخروج من لبنان، ولم يرمّمه سوى انفجار الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية في 1987، وليس بفعل عقلانية القوى السياسية، وعاد لينفجر مع مفاوضات مدريد. أي أن القصة الفلسطينية هي قصة خلاف أكثر منها قصة وفاق. وأرى هذا طبيعياً في ساحة سياسية معقدة، مثل الساحة الفلسطينية، ألف عامل يؤثر فيها. هذا إذا كنا نتحدّث عن التاريخ ذاته، أنا والعزيز معين.

الأبارتهايد والاحتلال

لا أختلف مع الطاهر على أنّ الاحتلال يمارس ممارسات عنصرية، تنتمي إلى الأبارتهايد باعتباره نظام تمييز وفصل عنصري، وفي مقدمة هذه السلوكيات الجدار العازل الذي بنته إسرائيل في الضفة الغربية. خلافي مع العزيز معين الطاهر ليس هنا. وإنما هو على أن تحديد المكون الأساسي للصراع يقرّر الهدف ويحدّد أشكال حله، ما يعطي القوى السياسية الأساس الذي تبني عليه تصوّرها للهدف المستقبلي لإنجاز العدالة التي تهدف إلى الوصول إليها. على هذا الصعيد، إذا اعتبرت أن ما هو قائم نظام أبارتهايد، نظام فصل عنصري، فإن المهمة الأساسية لاستعادة الحقوق وتحقيق العدالة هي المطالبة بمواطنة متساوية، دولة لكل مواطنيها. وبذلك، الجلاد والضحية واقعان في الحفرة ذاتها وعليهما معاً الخروج منها، أي أن الحل مشتركٌ في المجتمع المنقسم ذاته، وسيبقى الطرفان في البلد ذاته الذي يتصارعان فيه، وليس عليه. هذه كانت حالة جنوب أفريقيا التي سكنتها أقلية بيضاء انفصلت عن بلدانها الأصلية، وبنت مجتمعاً تمييزياً وعنصرياً تجاه المواطنين المحليين. واحتاج الظلم القائم إلى نضال طويل للوصول إلى حل بإعطاء السود حقوقاً متساوية مع البيض، وبالوصول إلى كل المناصب، بما فيها الرئيس، وهو المنصب الذي شغله نيلسون مانديلا بعد خروجه من سجنه الطويل.

في حالة الاحتلال، العلاقة بين الضحية والجلاد مختلفة. الجلاد ليس من المكونات الداخلية للبلد. هو يفرض ذاته وسلطته بقوته العسكرية على المجتمع الذي يحكمه من خارجة بوصفه سلطة عليا، تتحكّم بالضحايا بقوتها العسكرية. الضحية والجلاد ليسا عالقيْن في الحفرة ذاتها بعد الحل. الحالة الاستعمارية تنتهي بمغادرة القوة الاستعمارية البلاد، وترك البلاد تقرّر مصيرها بنفسها. ما أريد قوله هنا إن تحديد طبيعة الصراع يحدّد معنى العدالة ونوع الحل، كما يحدّد وسائل الوصول إليه. لذلك، الأبارتهايد والاستعمار قصتان مختلفتان.

تقديم الحلول

الاستراتيجيات والأهداف السياسية هي حلول لمشكلات مطروحة على قوى متصارعة في مجتمعات أو على المجتمعات، فالهدف السياسي هو حل مستقبلي لمشكلة قائمة اليوم. “هل يجب علينا تقديم حلول الآن؟” يسأل الطاهر. أجيب: نعم، علينا تقديم حلول والآن. لا يمكن بناء حركة سياسية من دون هدف سياسي، لأن الهدف السياسي هو الذي يحدّد الطريق للوصول إليه، وبالتالي يحدّد الأدوات اللازمة لتحقيق هذا الهدف. ولا يمكن لقوة سياسية أن تملك فعاليتها من دون أن تقول لجمهورها إلى أين تسير. ومن حق هذا الجمهور أن يحاسبها على وعودها. لذلك، أقول بوضوح إن “دحر الاحتلال” الذي يعتبره الطاهر “يطلق جميع الطاقات لمقاومة الاحتلال، ويوحّد الجهد الوطني” شعار فارغ من المعنى، من دون تحديد دحر الاحتلال من أجل ماذا، فنحن في الموضوع الفلسطيني نتحدّث عن قضية مركبّة، بمعنى، لا نتحدّث عن استعمار بالمعنى التقليدي الذي شهدته أغلب الدول، وليس استعماراً استيطانياً، أنتج مجتمعاً محلياً يعاني من نظام تمييز عنصري، كما في جنوب أفريقيا. إنه خليط من هذا وذلك، وهذا يعود إلى طبيعة المشروع الصهيوني من جانب، وإلى العمر الطويل للصراع، الذي جعله ينتقل إلى هذه الحالة المركبة، فالمشروع الذي ولد استيطانياً اقتلاعياً أنجز مجاله الخاص “الدولاتي” في الإعلان عن دولة إسرائيل في 1948 تم تشريعه دولياً بالاعتراف به على هذه الحدود التي سيطر عليها في تلك الحرب. ولكن الطبيعة التوسعية والعدوانية للمشروع دفعت باتجاه احتلال مزيدٍ من الأراضي الفلسطينية، ولكن هذه الأراضي لم يتم تشريع الاستيلاء عليها دولياً، ولا حتى إسرائيلياً. وبذلك بقي تعريف هذه الأراضي، بوصفها أراضي محتلة وفق الشرعية الدولية.

وهذا ما فرض وقائع محدّدة، يجب النظر إليها في سياق البحث عن حل للصراع المديد، مثل أن من صمد في أراضي عام 1948 استحق الجنسية الإسرائيلية. صحيحٌ في إطار تمييزي، لكنه مواطن بحكم القانونين، الإسرائيلي والدولي. هذا لم ينطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلة في 1967. بمعنى أن إسرائيل لم تنجح، هذه المرّة، في تفريغ الأرض من جانب، ولم تنجح في تشريع هذا الاحتلال دولياً، وهي ما تحاول القيام به الآن على أجزاء من الضفة الغربية، بدعم من إدارة ترامب، وهي لن تستطيع تشريعه، حتى لو قامت بعملية الضم. ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أننا أمام قضيةٍ مركّبة من طابقين، بدأ بالأساس المكون للصراع، ولادة إسرائيل على الأرض الفلسطينية ببقاء أقليةٍ فلسطينية فيها، وتهجير الأغلبية. أصبح الباقون مواطنين، وأصبح المطرودون لاجئين في الدول العربية، وحتى في ما تبقّى من وطنهم. والمناطق في الضفة الغربية التي كانت تحت السيادة المصرية والأردنية، تم احتلالها في عام 1967، وهنا تحولت إسرائيل إلى قوة احتلال كما تكرسها الشرعية الدولية. هنا يكون أمام الحركة الوطنية الفلسطينية خياران لملء شعار «دحر الاحتلال». الأول، هو دحره عن كل الأراضي الفلسطينية المحتلة في عامي 1948 و1967، مما يعني أن الهدف دولة فلسطينية ديمقراطية لجميع مواطنيها، أو دولة ثنائية القومية، وهما حلان يستهدفان فلسطين التاريخية. الثاني، أن يكون الهدف إقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة في عام 1967، مع حل عادل لمشكلة اللاجئين بوصفها نتاج تأسيس إسرائيل وهناك قرارات دولية تنص على عودة اللاجئين إلى ديارهم.

بداية، اختارت الحركة الوطنية الفلسطينية استراتيجيتها القائمة على تحرير كامل التراب الفلسطيني الذي يكفل “حرية العبادة والزيارة للجميع من غير تفريق ولا تمييز، سواء على أساس العنصر أو اللون أو اللغة أو الدين”. كما نص الميثاق الوطني في 1968. لكن اضطرت عندما دخلت في طريق الاعتراف العربي والدولي في 1974 إلى أن تقدم التنازلات حتى تحصل على هذا الاعتراف، لأن العالم أقرّ أن الحل سيكون على نتائج حرب 1967 وليس على غير ذلك، وكان هذا ما يقول به حتى حلفاء الفلسطينيين في ذلك الوقت، قصدنا، الاتحاد السوفييتي، أيام كان دولةً عظمى. بمعنى آخر، إن التنازلات الفلسطينية التي شهدت صراعاتٍ فلسطينية داخلية في أثناء النقاشات الفلسطينية حول البرنامج المرحلي، والتي قسّمت الساحة الفلسطينية إلى رفض وقبول، كانت، بسببٍ من هذه التكيّفات مع المتطلبات الدولية، حتى يتم الاعتراف بالمنظمة ممثلاً شرعياً للفلسطينيين، التي لولاه لمّا شهد الفلسطينيون هذا التضامن والتأييد الدولي الذي كانت ذروته في السبعينيات ومطلع الثمانينيات.

ختامًا، على أي هدف سياسي أن يرى الحق، وأن يرى البشر أصحاب الحق، وأن يراعي المرحلة التاريخية التي يعيشها، وينظر بواقعيةٍ إلى إمكانية تعديل ميزان القوى لإنجاز هذا الهدف، وأن يُراعي المعطيات الدولية والإقليمية المحيطة به، والتي قد تساعده على تحقيق أهدافه. لذلك على الهدف السياسي أن يكون قابلًا للإنجاز من منظور اليوم، وألا ينتظر تغيراتٍ كبرى، ليس للقوة السياسية التي تطرحه أي تأثير عليها.

(المصدر: العربي الجديد)

Author: سمير الزبن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *