أين المفرّ من رفح ؟


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

فكرة اجتياح الجيش الإسرائيلي رفح برياً  تثير الرعب في نفوس السكان، وتؤكد أن إسرائيل مستمرة في حربها، ولا توجد أي دولة في العالم قادرة أن تمنع إسرائيل من اجتياحها، حتى محكمة العدل الدولية والقرار الصادر عنها باتخاذ التدابير لـ”منع خطاب الإبادة الجماعية” لم  تتمكن من وقف إسرائيل.

يبدو أن العملية البرية  التي سيشنها الجيش الإسرائيلي على رفح أصبحت مسألة وقت، سواء  قبل أو بعد شهر رمضان. 

من هنا تبدو التحذيرات الدولية والعربية كلامية كونها لم تترافق مع اي اجراءات جدية لوقف الحرب والقتل والتدمير، بل بدت تمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والجيش الإسرائيلي الفرصة الأخيرة لتحقيق أهداف الحرب و”الانتصار المطلق” على حد تعبير بنيامين نتنياهو، والشرط تجنب إيذاء المدنيين والتقليل من عدد القتلى والمصابين، وفق “تعليمات” الإدارة الأمريكية غير الملزمة.
يعزز هذه المقاربة هو “تحرير” الجيش الإسرائيلي 2 من الرهائن لويس هار (70 عاما) و فيرناندو مارمان (60 عاماً) اللذان كانا في منزل في رفح يقع في الطابق الثاني من أحد الأبنية، و الذين لم يتدخل الجيش الإسرائيلي لإنقاذهما حسب تعبير الناطق باسم الجيش الإسرائيليّ إلا “حين أصبحت الشروط مناسبة لإتمام عملية الإنقاذ”.
منذ بداية الحرب وضعت إسرائيل مجموعة أهداف، ظاهرها القضاء على حركة حماس، لكنها في الواقع تهدف إلى القضاء على الفلسطينيين في قطاع غزة وما يتبقى فيه من حياة بشرية. و”البلاغة الإباديّة” التي يرددها بوضوح اليمين المتطرف الإسرائيلي في حكومة نتنياهو وأنصار إعادة استيطان غزّة، مستمرة في انتهاك صريح لقرارات محكمة العدل الدوليّة.
دخلت الحرب شهرها الخامس، ومازالت حكومة نتنياهو تؤكد أنه يجب القضاء على حماس وقائد الحركة يحيى السنوار ومساعديه، لكن حين لم يُعثر على السنوار مطلقًا في مدينة غزة،  ولا في خان يونس، والآن يفكر ويخطط الجيش الإسرائيلي لتوسيع الحرب والعملية العسكريّة البرية نحو رفح، على افتراض أن السنوار ومساعديه يختبئون في الأنفاق فيها، مع الافتراض أن الرهائن الاسرائيليين ما زالوا على قيد الحياة. 
نزح  معظم الفلسطينيين من سكان قطاع غزة،  وفاق عدد النازحين في رفح الـ1.5 مليون نسمة، أضيف إليهم الهاربون من خان يونس، حيث يقوم الجيش الإسرائيلي بـ”عملية برية” فيها منذ شهرين ونصف، وفي حال تمدد العملية إلى رفح، فلا مكان آمن سوى منطقة “المواصي” التي قال الجيش الإسرائيلي أنها منطقة آمنة، مع ذلك يتم استهدافها بشكل شرس.
فكرة اجتياح الجيش الإسرائيلي رفح برياً  تثير الرعب في نفوس السكان، وتؤكد أن إسرائيل مستمرة في حربها، ولا توجد أي دولة في العالم قادرة أن تمنع إسرائيل من اجتياحها، حتى محكمة العدل الدولية والقرار الصادر عنها باتخاذ التدابير لـ”منع خطاب الإبادة الجماعية” لم  تتمكن من وقف إسرائيل.
يتردد بين كثيرين من سكان قطاع غزة وخارجه، عبارة ‏ “لم يعد هناك معنى للإنسانية”،  في إشارة واضحة للمجتمع الدولي ومنظومة القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية، التي لم تتمكن من ردع إسرائيل عن شفاء غلّها وعطشها إلى دماء غزة، إذ لماذا تُدمر غزة  ويقتل الغزيون، ولماذا يستمرّ التهجير القسري؟، هذا لم يعد انتقاما، هذه جهود لارتكاب “ابادة جماعية” بمشاركة الدول الكبرى وصمت وعجز ما تبقى من  العالم. 

ماذا في رفح؟
تحولت رفح إلى التجمع الأكبر للنازحين في قطاع غزة، تتكدس الخيام والأبدان في مراكز الإيواء، مع شحّ في المساعدات الإنسانيّة التي تصلّ إلى أقل من 10‎%‎ من حاجة الناس، نعني الخدمات التي يجب أن يقدمها ما تبقى من “سلطة حاكمة” في القطاع، السلطة الملاحقة و المختبئة من الاستهداف والقتل.
ما تبقى من سلطة  حاكمة في القطاع تحاول تنظيم وإدارة شؤون الناس اليومية على جميع الأصعدة الصحية والاجتماعية، وتسجيل المواليد الجدد وإصدار شهادات الميلاد والوثائق الرسمية الأخرى التي يحتاجها السكان، لكن الجهد المبذول الأكبر يتمثل في أعداد القتلى، وإصدار شهادات وفاة.
تعمل إسرائيل على تقويض قدرات الشرطة، حيث يعمد الجيش الاسرائيلي على مُلاحقة أفراد الشرطة واستهدافهم الطائرات الحربية الإسرائيلية لسياراتهم، الشأن الذي  تكرر بوضوح خلال الأسبوعين الماضيين. إذ قتل مدير  شرطة المباحث ومساعديه، وكذلك استُهدف عدد من المكلفين بحماية شاحنات المساعدات الإنسانية، سواء التي تصل عبر معبر رفح وتشرف عليها اونروا او غيرها من المؤسسات الدولية والعربية.
وحدات الحماية هذه مكلفة بتخزين المساعدات في رفح، وحمايتها من اللصوص الذين يعترضون الشاحنات ويقومون بنهبها وبيعها، هدف هذا الاستهداف  هو خلق حالة من الفوضى والانفلات في المجتمع الفلسطيني، والذي يحاول تنظيم نفسه والبقاء صامداً أمام القتل والتدمير. يأتي الاستهداف أيضاً كامتداد للدعاية الإسرائيلية التي تتهم حماس بسرقة المساعدات، ويأتي أيضاً في إطار التحريض على وكالة اونروا والسعي لانهاء دورها، واتهامها بالتعاون مع حماس.
قراءة بسيطة في الأرقام تكشف حجم السكان والنازحين في رفح، التي تفوق قدرة رفح الاستيعابيّة بنحو ستة اضعاف او اكثر في ظل بنية تحتية متهالكة. ففي الأيام العشر الأولى من هذا الشهر شباط/فبراير، بلغ عدد الوفيات في رفح 240 وفاة طبيعية، وصلت جثثهم لمستشفى أبو يوسف النجار، المستشفى الحكومي الوحيد الذي يستقبل الموتى وبه مغسلة للموتى، ويقدم الخدمات الصحية، وهو متوسط الامكانات. لكن بعد نزوح السكان من خان يونس إلى رفح  بلغ عدد الوفيات الطبيعيّة 556 حالة، مع أن عدد الوفيات الطبيعية في العام 600 حالة في السنة. 
هذا الحجم الكبير من السكان النازحين يزيد الأعباء في رفح على جميع مناحي الحياة، خاصة القطاع الصحي والذي يعتبر من اكبر المرافق التي استهدفها الجيش الاسرائيلي بالقصف والتدمير واخراجها عن الخدمة.
ضاعف تهديد البنية التحتيّة  سوء أوضاع النازحين المرضى، الذين فقد عدد كبير منهم حياتهم نتيجة تقديم الخدمة الصحية والعلاج في الحد الأدنى، ومثال ذلك ما يجري في قسم الكلى في مستشفى أبو يوسف النجار في مدينة رفح، الذي كان يقدم خدمات الغسيل الكلوي لحوالي 120 مريضا والآن يقدمها لحوالي 600 مريض.
كما هو معلوم، يحتاج المريض لأربعة ساعات غسيل لثلاث مرات في الأسبوع، والآن وبسبب العدد الكبير من النازحين المرضى، لا يحصل واحدهم سوى على ساعتين، ثلاث مرات في الأسبوع، ما يزيد من سوء حالة المريض الصحية. وقد توفي العديد من مرضى الفشل الكلوي دون توفر إحصائيات رسمية من وزارة الصحة، بسبب صعوبة توثيقها نظرا للأعباء الكبيرة على كاهل الطواقم الطبية.
لنا أن نتخيل في حال شن الجيش الاسرائيلي عملية عسكرية برية في رفح مصير أولئك المرضى المهددين، فالذرائع الإسرائيلية حول خطط لإخلاء النازحين من رفح تبدو كلاماً سهلاً، لكن، كيف يمكن إخلاء الجميع؟ وإلى أين ؟
 فحتى مع عودة النازحين إلى منازلهم في جميع المدن في قطاع غزة، البنية التحتية الصحية مدمّرة فيها ولا مكان للاستشفاء.
رفح لم تعد تمتلك القدرة على استيعاب ذاتها، وضاقت مساحتها على التكتل البشري الصامت الذي يخفي غضبه وقهره من الظلم المستمر  في انتظار نزوح جديد وموت يلاحق الفلسطينيين من مكان لآخر. 

عن درج ميديا

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: مصطفى إبراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *