أوروبا وإسرائيل: بين التماهي الرسمي والمعارضة الشعبية، ثم انقسام أعضاء الاتحاد

نبذة مختصرة: 

فجّرت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في إثر عملية “طوفان الأقصى” تناقضات في الغرب خاصة، وفي أوروبا عامة، بين الجمهور ولا سيما الشاب منه، وبين الحكومات في البلد الواحد، ثم بين حكومات وأُخرى داخل الاتحاد الأوروبي، ومحاولات أوروبية للتمايز من الموقف الأميركي الداعم دائماً لإسرائيل.

النص الكامل: 

تمهيد

أعادت حرب إسرائيل الإبادية على قطاع غزة، والتي تلت هجمات حركة “حماس” في 7  تشرين الأول / أكتوبر 2023، طرح القضية الفلسطينية في قلب الحياة السياسية الأوروبية، باعتبارها اختباراً مباشراً لعلاقة الدول الأوروبية بإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، ولادعاءاتها المتكررة بالدفاع عن القانون الدولي والقيم الكونية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وأظهرت الحرب بعض مؤدّيات التحولات التي شهدتها أوروبا خلال العقدين الأخيرين، عقب صعود اليمين المتطرّف وما رافق هذا الصعود من صراعات وديناميات سياسية وثقافية.

ومرّت المواقف الرسمية الأوروبية بثلاث مراحل متعاقبة، وإن تداخلت سماتها في بعض الأحيان: مرحلة التماهي مع إسرائيل؛ مرحلة التردد والارتباك السياسي؛ مرحلة الانتقاد والتحوّل في الخطاب بفعل الضغط الشعبي والتقارير والدعاوى الحقوقية. والأرجح أن مرحلة رابعة بدأت منذ فترة، وفيها تجدّد للصراع على المصطلحات والخلاصات ومحاولات قمع للنقاش العام من أنصار إسرائيل.

المرحلة الأولى: التماهي والدعم المطلق

بين 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023 وأوائل سنة 2024، أظهر معظم الحكومات الأوروبية تماهياً شبه كامل مع المواقف الإسرائيلية الرسمية. فقد تبنّت الخطاب نفسه الذي استخدمته تل أبيب وواشنطن، مكرّرة مقولات “الحرب على الإرهاب” و”حقّ إسرائيل في الدفاع عن النفس”، وامتنعت من الإشارة إلى الجرائم الإسرائيلية، أو حتى إلى تاريخية الصراع أو السياق المفضي إلى هجمات  7تشرين الأول / أكتوبر.

ويمكن تفسير ذلك انطلاقاً من عدة عوامل:

أولاً، الحضور المتعاظم لقوى اليمين المتشدد واليمين المتطرف في برلمانات وحكومات معظم الدول الأوروبية. فقد وجدت هذه القوى في إسرائيل نموذجاً معسكراً للدولة “الغربية البيضاء” التي تواجه “الخطر الإسلامي” الذي تتحدث عنه في أوروبا نفسها، فاعتنقت خطابها الأمني والعنصري وحربها، واعتبرتهما امتداداً لها في الشرق.

ولم يشذّ موقف اليمين هذا عن جانب من موروث ثقافي وسياسي استعماري موجود أصلاً في عقول قسم من النخب السياسية في دول مثل فرنسا وبريطانيا، حيث يُصوّر الفلسطينيون (كما العرب والأفارقة) كـ “آخرَ عنيف وخطر”، في مقابل إسرائيل التي تُقدَّم كوكيلة عن “التحضّر الغربي”، وعن الاستعمار بصفته “مهمة حضارية”.

ثانياً، دور وسائل الإعلام المرئي والمسموع، ولا سيما الخاص منها، المملوك لرجال أعمال ومؤسسات اقتصادية ومالية ذات علاقات أميركية، وأحياناً إسرائيلية وثيقة، وجهدها الهادف إلى توجيه النقاش والأسئلة على نحو حال دون البحث الحقوقي والسياسي، وبأسلوب نزع الأنسنة عن الفلسطينيين محيلاً إياهم إلى أرقام غالباً ما يُشكّك في صدقيتها إن ارتبطت بأعداد الضحايا، وذلك إلى جانب استضافة يومية لإسرائيليين، واعتماد لغة الأخيرين ومفرداتهم.

ثالثاً، ارتباط الموقف الأوروبي بتداعيات الحرب في أوكرانيا وما فرضته من تبعية أمنية وعسكرية وحاجة متزايدة إلى واشنطن. وقد صعّب هذا الارتباط على عدد من الحكومات الأوروبية التمايز في سياساتها الخارجية من الولايات المتحدة، وجعلها لصيقة بها وبمقارباتها لكثير من العلاقات الدولية.

رابعاً، تحوّل جانب من الدعم الأوروبي الرسمي المعهود لإسرائيل، القائم في جوانب منه، وخصوصاً في ألمانيا، على عقدة الذنب تجاه المحرقة، إلى ما يشبه التبنّي لنموذج الدولة الأمنية “القلعة” التي تواجه “التهديدات الوجودية” والإرهاب (المُشبّه بذلك الذي ضرب نيويورك في سنة 2001، أو باريس في سنة 2015)، والتي لا شيء يقيها منهما سوى البطش واستخدام العنف المفرط للجم الأعداء.

في ضوء هذا كله، تآكلت “الكونية الحقوقية” التي كثيراً ما تباهت بها أوروبا، وحلّت محلّها مقاربة استثنائية تُخضع القانون الدولي لهوية الضحايا وحدود التحالفات السياسية. وبدت ازدواجية المعايير جليّة عند مقارنة المواقف الصارمة ضد الغزو الروسي لأوكرانيا والدعوات إلى تطبيق القوانين وإنزال العقوبات بالمعتدي، في مقابل الصمت أو التواطؤ والدعم إذا تعلّق الأمر بما أُثير بشأن انتهاكات إسرائيل وجرائم حربها.

وترافق تراجع احترام القانون الدولي والدفاع عنه بهدف دعم إسرائيل مع سلوكيات تسلّطية منافية للديمقراطية وللحريات العامة داخل أوروبا نفسها، وخصوصاً في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. ففُرضت قيود على حرية التعبير، وشُيّدت آليات رقابية على الإعلام والجامعات والفضاءات الثقافية، وتراجع مفهوم التعدد السياسي إلى مجرد تسامح مشروط. كما تحوّل الدفاع عن الفلسطينيين وحقوقهم إلى تهمة سياسية تُواجَه بابتزاز إشهار “معاداة السامية”، أو “تبرير الإرهاب” لتخويف الرافضين للمواقف الرسمية أو تجريمهم. وبدا لافتاً عنف الشرطة الألمانية في التعامل مع المتظاهرين والمعتصمين السلميّين رفضاً للجرائم الإسرائيلية، وشكّل قطيعة مع مسلك ظلّ فترة غير معسكر وقائم على التفاوض عوضاً عن القسوة أو القمع.

ومع ذلك، بقيت جيوب مقاومة مدنية في أكثر الدول الأوروبية (وفي الولايات المتحدة الأميركية) واسعة ونشطة وفاعلة. ففي روما وباريس ولندن وبروكسل ومدريد وبرلين، كما في نيويورك وواشنطن وشيكاغو، خرجت تظاهرات غير مسبوقة في حجمها، وتحرّك عشرات الآلاف من الطلاب الجامعيين داخل كلياتهم، وعُقدت ندوات وفاعليات ثقافية وفنية ورياضية تعبّر عن تضامن شعبي واسع مع الفلسطينيين، كما تحركت أوساط حقوقية لإدانة الإبادة الإسرائيلية، وتقدّمت جنوب أفريقيا بشكوى لدى محكمة العدل الدولية في هذا الشأن. 

المرحلة الثانية: التردد والارتباك

ومع مرور الوقت وتزايد التقارير الحقوقية الموثّقة للجرائم الإسرائيلية في غزة،[1] ومع اتّساع التظاهرات والاعتصامات الشعبية، بدأ الخطاب الأوروبي الرسمي يتصدّع بالتدريج. فصور المستشفيات المدمّرة، وجثث الأطفال تحت الأنقاض، ومشاهد التهجير القسري المتواصلة، لم تعد قابلة للتجاهل أو التبرير وفق المنطق السابق إياه، على الرغم من محاولات التشكيك فيها، ومن اغتيال إسرائيل عشرات الصحافيين الفلسطينيين لمنع التغطية وخروج الصور من القطاع المحاصر والمعزول والممنوع دخول الصحافيين الأجانب إليه. لقد فرضت المأساة الفلسطينية حضورها في الوعي العام لجيل جديد، وخصوصاً في الجامعات، وفرضت الأدبيات الحقوقية ودعوى جنوب أفريقيا ثم مذكرات التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في خريف سنة 2024 ضد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه الأسبق يواف غالانت بتهمة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية،[2] نفسها على السرديات السياسية والخطابات المتعددة، ولم تُفلح وسائل الإعلام في التهرّب من ذكرها، ولا سيما مع إثارة صحافيين وأكاديميين ومسؤولي منظمات إنسانية وحقوقية وطلابية ونقابية وسياسيين يساريين لها، ومع ازدياد وتيرة التظاهرات الشعبية في العواصم والمدن الكبرى، وتحوّلها إلى وتيرة أسبوعية.

وأدى الأمر طوال سنة 2024 إلى انتقال الحكومات الأوروبية بالتدريج، عدا حكومات ألمانيا وهنغاريا وإيطاليا، إلى مرحلة ارتباك أولاً، ثم انتقاد لفظي لتل أبيب ولحكومة بنيامين نتنياهو ولوزيرَيها الأكثر تطرفاً بن غفير وسموتريتش ثانياً. وأعلن معظم المسؤولين الأوروبيين وقف التعاون العسكري والأمني مع إسرائيل في محاولة لدحض الاتهامات بمشاركتهم في الإبادة الجماعية، ودعوا إلى وقف إطلاق النار ودخول المساعدات الإنسانية إلى غزة (والإفراج عن الرهائن والأسرى الإسرائيليين المحتجزين لدى حركة “حماس”).

ويمكن القول إن فلسطين تحوّلت في هذه المرحلة إلى عنصر الفرز السياسي الداخلي الأول في أكثر من بلد أوروبي، وإلى أحد أبرز عناصر الفرز فيما يتعلق بانتخابات البرلمان الأوروبي في حزيران / يونيو 2024. وظهرت في الوقت نفسه كتلة أوروبية “منشقة” عن الإجماع القاريّ السابق، قوامها إسبانيا والنرويج وإيرلندا وسلوفينيا، تدين بشدّة الجرائم الإسرائيلية، وتطالب بوقف فوري لإطلاق النار ولحصار المدنيين الغزّيين. وأعلنت الدول هذه اعترافها بدولة فلسطين، كما أعلنت مع دول أُخرى مثل هولندا والسويد وبلجيكا، عزمها احترام مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية، ورفضها كل تهديد للأخيرة من الولايات المتحدّة الأميركية. 

المرحلة الثالثة: الانتقاد والتحول الخطابي

مع نهاية سنة 2024، وقُبيل انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، تصاعدت الانتقادات الأوروبية لإسرائيل ولاستمرار حربها وحصارها ضد غزة.[3] وظنّ الأوروبيون، وفي طليعتهم فرنسا، أن في إمكانهم التمايز من واشنطن للضغط عليها أو لأداء أدوار وسيطة بالتعاون مع مصر والأردن وقطر والمملكة العربية السعودية تدفع نحو “حلّ سياسي مستديم”. وجاء وقف إطلاق النار بعد أيام من دخول ترامب إلى البيت الأبيض في 21 كانون الثاني / يناير 2025، وتجاهله المسائل السياسية ليدفع الأوروبيين فترة من الوقت إلى الاكتفاء بالتركيز على دخول المساعدات الإنسانية، ولا سيما في ظل التقارير الأُممية وتقارير المنظمات الطبية بشأن نفاد كثير من الأدوية ومواد التعقيم وحليب الأطفال، وتعاظم خطر المجاعة داخل القطاع.

غير أن قرار نتنياهو وحكومته استئناف الحرب في 18 آذار / مارس 2025، وتكثيف الهجمات الجوية وتشديد الحصار، أدّت إلى أن يدين الاتحاد الأوروبي ومعظم الدول الخطوة الإسرائيلية، وإلى تحوّل في اللغة المستخدمة بحيث تراجع فيها الحديث عن “الإرهاب” و”الدفاع عن النفس”، وكذلك الضغط الذي كان يمارَس ضد التظاهرات والتجمّعات المندّدة بإسرائيل. وبدا أن الرأي العام الأوروبي الذي أظهرت أغلبية استطلاعات الرأي معارضة أكثرية فيه الحرب الإسرائيلية وذرائعها، قد بدأ يؤثّر في مواقف الحكومات. ولا شكّ في أن تغطية الصحافيين الفلسطينيين لمأساة شعبهم أدت دوراً مهمّاً في مواجهة الدعاية الإسرائيلية. وشكّلت كارثة المجاعة التي أنزلها الإسرائيليون بمئات الآلاف من الفلسطينيين عنصر ضغط إضافياً على الحكومات في أوروبا، وعلى الاتحاد الأوروبي نفسه الذي قرّر بدءاً من أيلول / سبتمبر 2025 اتخاذ عقوبات في حقّ الوزيرَين بن غفير وسموتريتش، وفي حقّ عدد من المستوطنين الذين كانوا يصعّدون اعتداءاتهم وهجماتهم على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.

وفي موازاة ذلك، شهدت المدن الأوروبية في ربيع وصيف سنة 2025، أكبر تظاهرات لها منذ أعوام طويلة، ولا سيما في إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا. وانضمّت نقابات إلى الدعوات إلى مقاطعة إسرائيل، كما انطلقت أول مواكب “أسطول الصمود” في محاولة رمزية لفكّ الحصار عن غزة وإيصال المساعدات إليها. واتّسع كذلك النقاش في الجامعات بشأن القضية الفلسطينية وأسباب الاصطفاف الرسمي الغربي إلى جانب إسرائيل، وخصوصاً بعد قرار ترامب معاقبة الجامعات الأميركية التي شهدت حراكاً هو الأكبر منذ حرب فيتنام، تنديداً بجرائم الاحتلال.

ولعلّ مشاهد القتل اليومي للفلسطينيين الجائعين الساعين للمساعدات الأميركية المعسكرة، وما رشح عن مشاريع “الريفييرا” الترامبية المعقودة لغزة، زادا في الغضب في أوساط شعبية أوروبية واسعة، الأمر الذي جعلها تضغط على حكومات دولها، دافعة بعضها، وفي طليعتها فرنسا وبريطانيا، إلى الاعتراف في أيلول / سبتمبر 2025 بالدولة الفلسطينية.[4]

وعلى الرغم من محدودية الأثر المباشر ميدانياً في فلسطين المحتلة لهذه التحولات والاعترافات، فإنها شكّلت بداية مسار جديد داخل أوروبا، إن لجهة الحكومات، أو لجهة النخب الثقافية، أو لجهة الهيئات الإنسانية والحقوقية وشبكات التضامن الإنساني. وباتت الحرب على غزة، بالنسبة إلى كثيرين، فيما يتخطى تراجيديا ضحاياها، لحظة مواجهة سياسية وحقوقية وقيمية داخلية على صلة باللحظة السياسية العالمية، وما تشي به ثقافتها المهيمنة من تراجع لقيم العدالة وحقوق الإنسان وللقانون الدولي. 

المرحلة الرابعة: الصراع على المصطلحات والهجوم المضاد

يمكن القول اليوم إن مرحلة رابعة لم تتّضح معالمها الكاملة بعد، قد بدأت منذ وقف إطلاق النار الأخير في غزة في تشرين الأول / أكتوبر 2025.

ومن أبرز ما يلاحَظ فيها حتى الآن هو الهجوم الذي تشنّه القوى السياسية المؤيدة لإسرائيل، وكتل الضغط الداعمة لها، علاوة على الهيئات الإعلامية وبعض مواقع التأثير الإفتراضية[5] والجمعيات المسؤولة عن حملات العلاقات العامة، على السياسيين والأكاديميين والصحافيين والفنّانين الذين ندّدوا بجرائم إسرائيل في مرحلة سابقة. وقد باتت هذه القوى منذ أسابيع تقيم كثيراً من اللقاءات والندوات في فرنسا وإيطاليا وبلجيكا على سبيل المثال، وتنظّم الزيارات لسياسيين وإعلاميين أوروبيين لإسرائيل. كما أنها شرعت تبثّ إعلانات دورية سياحية أو سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي تستهدف المراهقين والشباب. وهي تجهد لإعادة الرقابة التي مورست فترة بعد 7 تشرين الأول / أكتوبر بهدف منع عقد مؤتمرات تناقش الإبادة وجرائم إسرائيل، أو حتى تناقش تاريخ القضية الفلسطينية[6] ومآلاتها وما يجب القيام به لدعم الفلسطينيين (سياسياً وأكاديمياً واقتصادياً) في المرحلة المقبلة.

والهدف من هذا كله، هو أولاً محاولة “تبييض” صورة إسرائيل بعد الإبادة، والاستفادة من سياسات ترامب القامعة للحريات الأكاديمية في الولايات المتحدة، والدعوة إلى الاقتداء بها بحجة التصدّي لـ “معاداة السامية”، وثانياً الضغط على الحكومات التي انتقدت إسرائيل في الأشهر الأخيرة، ولجم مواقفها في لحظة ما زالت تل أبيب تحضّر فيها لإدارة غزة واحتلال أجزاء منها وتهجير أكبر عدد ممكن من أهلها الفلسطينيين، وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية. 

خاتمة: الصراع المفتوح

شهدت أوروبا سياسياً إذاً ثلاث مراحل منذ تشرين الأول / أكتوبر 2023، وهي تدخل منذ فترة في مرحلة رابعة. ولا شكّ في أن عجز قادتها، أو تمنّعهم من اتخاذ إجراءات عقابية جدّية ضد إسرائيل على الرغم من جرائمها وانتهاكها للقانون الدولي، أفقدا حكوماتها ومؤسساتها الوحدوية كثيراً من الصدقية. وهذا الأمر يدل على تراجع كونية الحقوق، وتكرّس ازدواجية المعايير، ولم يغيّر في ذلك كثيراً الاعتراف المتأخّر بالدولة الفلسطينية، على الرغم من أهميته، لأن الاعتراف لم يترافق (حتى الآن على الأقل) مع عقوبات ضد الاحتلال، ولا مع احترام معلن لمذكرات التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية.

وفي المقابل، أعاد ما ظهر من حراك المجتمعات المدنية الأوروبية الاعتبار إلى فلسفة التضامن بين الشعوب، وإلى القيم الإنسانية المشتركة. كما أن الجيل الجامعي الجديد الذي شارك بكثافة في هذا الحراك، سيستمر فيه في المرحلة المقبلة التي ستشهد أيضاً العديد من الدعاوى ضد مسؤولين إسرائيليين، وضباط وجنود مزدوجي الجنسية أمام المحاكم الوطنية الأوروبية في سابقة مهمّة، وخصوصاً إذا تكرّست وتعمّمت عالمياً، لتقويض حصانة إسرائيل المطلقة، ولمواجهة تواطؤ كثير من الحكومات معها.

وبالتالي، فإن الصراع في أوروبا سيبقى مفتوحاً، بينما أضحى الشأن الفلسطيني شأناً داخلياً في أكثر الدول.

المصادر:

[1] أول هذه التقارير كان تقرير الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان الصادر في باريس في كانون الأول / ديسمبر 2023، الذي اعتبر أن ما يجري في غزة يقارب الإبادة الجماعية. وثانيها كان تقرير المحامية فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة في آذار / مارس 2024، الذي بدوره اعتبر ما يجري إبادة جماعية. وتلا ذلك تقريرا منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش في أيار / مايو وحزيران / يونيو 2024، اللذان صنّفا جرائم إسرائيل كجرائم إبادة جماعية.

[2] أصدرت المحكمة مذكّرات التوقيف بتاريخ 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2024، واستهدفت، فضلاً عن نتنياهو وغالانت، ثلاثة مسؤولين من حركة “حماس” قضوا جميعهم في هجمات واغتيالات إسرائيلية قبل المذكرات وبعدها.

[3]استخدم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أواخر تشرين الأول / أكتوبر 2024 لفظة “البربرية” لوصف جرائم إسرائيل في غزة، وردّت عليه الأخيرة متّهمة إياه بتشجيع معاداة السامية. فردّ ماكرون بالحديث عن مبادرة يحضّرها بالتنسيق مع الرياض وعواصم عربية وإقليمية للاعتراف بالدولة الفلسطينية في صيف سنة 2025.

[4] اعترفت بها كذلك البرتغال ومالطا ولوكسمبورغ وأندورا وسان مارينو (علاوة على كندا وأستراليا من خارج أوروبا).

[5] كشفت عدة تقارير أن الحكومة الإسرائيلية بلورت سياسة، ووضعت ميزانية للتعامل مع مواقع مثل يوتيوب، ووسائل التواصل الاجتماعي مثل تيك توك ومنصة إكس، وتواصلت مع عشرات المؤثّرين بهدف التأثير فيما يقال ويُنشر. وذكر نتنياهو نفسه في أيلول / سبتمبر 2025 خلال لقائه مع مجموعة من المؤثرين في قنصلية إسرائيل في نيويورك، أن الحرب تُخاض في ميدان الإعلام الجديد، ووعد ببلورة استراتيجيا خاصة بذلك.

[6] ضمن حلقات القمع الأخيرة في تشرين الثاني / نوفمبر 2025، تدخّل وزير التعليم العالي بطلب من هيئات موالية لإسرائيل لمنع أحد أكبر الصروح الأكاديمية الفرنسية “كوليج دو فرانس” من تنظيم مؤتمر بشأن العلاقات الأوروبية الفلسطينية بإشراف المؤرّخ هنري لورانس، وبالتعاون مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس.

السيرة الشخصية: زياد ماجد: كاتب وأستاذ العلوم السياسية والدراسات الشرق الأوسطية في الجامعة الأميركية في باريس.

عن مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 145- شتاء 2025

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *