أهكذا تدار الساحة الفلسطينية؟!


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

اعتاد الرئيس محمود عباس (وهو نفسه رئيس المنظمة والسلطة وفتح) أن يدلي، بين الفينة والأخرى، بتصريحات سياسية، لا تمت بصلة لا لمتطلبات القيادة ولا لمستلزمات السياسة، ولكنها تكشف حال الترهل والاستخفاف، كما مدى التخلّف والتفرد في إدارة اوضاع الساحة الفلسطينية، وعمليات صنع القرار فيها.

ففي احد تصريحاته أكد أبو مازن أنه “لابديل عن المفاوضات سوى الاستمرار بالمفاوضات”، برغم أن المفاوضات لم تعد ذات جدوى، وأن إسرائيل تستغلها لتحسين صورتها، والتغطية على فرضها الأمر الواقع في الأراضي المحتلة، وفي ابتزاز المزيد من التنازلات من الفلسطينيين. وفي الواقع فإن مهمة القيادة البحث عن الخيارات والبدائل، لا إغلاقها، ناهيك عن الارتهان لخيار واحد ووحيد.

وفي معرض إجابته على سؤال طرح عليه بشأن سعي إسرائيل للاعتراف بها كدولة يهودية، قال أبو مازن بأن الفلسطينيين لايهمهم ماذا تسمي إسرائيل نفسها، ما يوحي وكأن هذه المسألة داخلية بحتة، وليس للفلسطينيين شأن بها، في حين أن هذا الأمر في حقيقته لا يطرح إلا في مواجهة الفلسطينيين، أكثر مما يطرح كدلالة معينة بين الإسرائيليين، كون هؤلاء، بعلمانييهم ومتدينيهم يعرّفون أنفسهم كيهود، ويعترفون باليهودية (الدينية) كمكون قومي لهم.

وفي إحدى مقابلاته الصحافية، صرح أبو مازن بأنه يفاوض من اجل عودة عدد معقول من اللاجئين إلى إسرائيل لإدراكه عدم قبول هذه بعودة خمسة ملايين لاجئ فلسطيني إلى ديارهم لأن “إسرائيل ستنهار”. وعنده فإن الفلسطينيين يمكنهم “أن يعودوا إلى فلسطين (الضفة والقطاع)، وإذا قرروا البقاء في الدول الموجودين فيها فسيحصلون على تعويض، وكذلك الدول التي تستوعبهم” (“الحياة” 13/9/2008). وفي ذلك يبدو الرئيس كمن يبدي استعدادا مسبقا لإمكان التنازل عن احد الحقوق الأساسية لشعبه، في حين ترفض إسرائيل مجرد التنازل لا للفلسطينيين، ولا للأميركيين (كما تبين اخيراً)، حتى بمقدار تجميد الاستيطان في الضفة ولو لفترة محدودة. ومشكلة تصريحات كهذه مجانيّتها، وأنها تضعضع مكانة الرئيس عند شعبه، لاسيما أن ثلثي الفلسطينيين من اللاجئين. فوق ذلك فإن تصريحات كهذه تخرج قوة اللاجئين من المعادلات التفاوضية، ما يضعف المكانة التفاوضية للقيادة الفلسطينية إزاء إسرائيل، فضلا عن إنها تعطي إيحاءات تشجع إسرائيل على ابتزاز المزيد من التنازلات.

ولعل أبرز تصريحات لعبّاس هي: “بروح لبيتي”، والمتعلقة بإمكان عدم ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، أو تقديمه استقالته من منصبه كرئيس للسلطة، كرد على إخفاق العملية التفاوضية. وقد لوّح أبو مازن بهذا الخيار مجددا لمرافقيه من الإعلاميين، في سفرته الأخيرة إلى نيويورك، ملمحا إلى أن هذه ربما هي السفرة الأخيرة. ثم عاد وكرر طرح هذا الخيار، في لقائه مع عدد من الشخصيات الفلسطينية في الأردن، في مقر المجلس الوطني (لمن مازال يتذكره) في عمان (6/10).

ففي هذا اللقاء حاول أبو مازن إشاعة جو من المرح بين الحاضرين، بتعليقه على الكرسي (المتهالك) الذي خصص له، بقوله: “بلكي بتحملني أسبوع بس… أبصر أجلس عليه بعد أسبوع أم لا”. وفي ذلك يبدو وكأن خيار استقالة أبو مازن، أو “ترويحته على البيت”، بمثابة الخيار “الوطني” البديل من خيار المفاوضات، وبمثابة “التهديد” الوحيد، الذي يمتلكه سيادة الرئيس، وقائد اكبر فصيل (“فتح”)، في مواجهة تعنت إسرائيل، وكرد على الضعف الذي يبديه المجتمع الدولي في الضغط عليها! فهل إلى هذا الدرك تدهورت أحوال الساحة الفلسطينية؟ وهل هذا الوضع يتوازى مع حجم التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني في مقاومته لإسرائيل، طوال العقود الماضية؟ ثم من المسؤول عن انعدام الخيارات، والارتهان للخيار التفاوضي وحده، إذا لم تكن القيادات السائدة، وأخصّها قيادة “فتح” (وعلى رأسها الرئيس أبو مازن بذاته)؟

الأنكى أن الرئيس الفلسطيني أدلى في اللقاء المذكور بتصريح غريب من نوعه، ففي رده على سؤال له بشأن إمكان التوجه نحو خيار حل السلطة، أجاب قائلا: “لا استطيع… حل السلطة بحاجة لموافقة إسرائيل، هذا الأمر تعاقدي يحتاج لموافقة الطرف الآخر”، لكأن أبو مازن في ذلك يوضح بأن السلطة (ومعها الشعب الفلسطيني)، بموجب اتفاق أوسلو، باتوا اسرى إسرائيل أو رهن املاءاتها، في حين أن إسرائيل هذه لا تلقي بالا لهذا الاتفاق المجحف إلا من الزاوية الأمنية فقط.

وقد بلغت هذه التصريحات من الخفة حد اعتبار الرئيس لقاءاته مع جماعات اللوبي اليهودي في العالم وكأنها بمثابة فتح للفلسطينيين، فعلى حد قوله لقد “اقتحمنا اللوبيات اليهودية بدءا من جنوب إفريقيا، مرورا بكندا وأميركا اللاتينية وأميركا الشمالية وفرنسا… وأبدوا نوعا من التعاطف معنا، ومع صدقيتنا… ما بين 50 -70% من الإسرائيليين مع السلام وضد الاستيطان”. فإذا كان الأمر على هذا الوضع فلماذا تذهب إسرائيل نحو اليمين، والتطرف الديني والقومي؟ ثم أليست هذه المغالطات والمبالغات هي بمثابة إصرار على الاستمرار بسياسة الفهلوة، والتجريب، التي انتهجتها طويلا الطبقة السياسية المتحكمة بالساحة الفلسطينية، وأدت بها إلى هذا الدرك؟ أليس هذا الاستخفاف هو الذي قاد القيادة الفلسطينية، وضمنها أبو مازن وقتها، إلى توقيع اتفاق أوسلو (1993) دون حسم مسألة الاستيطان، ودون تعريف مكانة إسرائيل كدولة محتلة، ودون الاستناد إلى مرجعية دولية، ودون تحديد الهدف النهائي من المفاوضات؟

على الصعيد الداخلي، أيضا، لم تبد تصريحات أبو مازن لائقة، ولا مسؤولة، إذ شن في هذا اللقاء هجوما على “الجبهة الشعبية” لمجرد تعليقها عضويتها في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، كمحاولة منها للتعبير عن موقفها الرافض لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل. علما أن هذه المنظمة باتت مهمشة جداً، بفعل التركيز على السلطة. أما لجنتها التنفيذية فباتت مفتوحة لمن يلزم ولا يلزم، إذ يشارك في اجتماعاتها كل من يرغب رئيسها بحضوره، فضلا عن أن هذه الهيئة لم تعد فاعلة، ولا مقررة في توجيه دفة السياسة الفلسطينية، وهذا مايعرفه أبو مازن أكثر من غيره.

طبعا لا نسوق هذا الكلام تأييدا (ولا اعتراضا) على موقف الجبهة، ذلك أن تجميدها لعضويتها، أو حتى بقاءها فيها أو خروجها منها، لم يعد يقدم ولا يؤخر، نظراً الى واقع تهميش المنظمة، كما قدمنا، واحتكار قيادة “فتح” لعملية صنع القرار فيها، وأيضا، بحكم تراجع الجبهة ذاتها، على صعيد دورها النضالي، كما على صعيد مكانتها التمثيلية، ولكون هذه الجبهة لم تؤهل نفسها لهذه الخطوة، ولا تمتلك المقومات التي تمكنها من تفعيل حضورها في الساحة الفلسطينية.

وما يهمنا هنا فقط طريقة قيادة أبو مازن للساحة الفلسطينية، واستهتاره بقواها، وأنه بدلا من أن يبذل الجهود، التي تطمئن الجبهة الشعبية، وعموم الفلسطينيين، إزاء سلامة الموقف الفلسطيني، ذهب إلى حد توجيه كلمات غير لائقة بمكانته القيادية، ولا بمكانة الجبهة الشعبية، من نوع: “هنالك البعض يضع رِجل هنا ورِجل هناك. ودقي يا مزيكا…!” وأن “الباب مفتوح لخروج من يريد… اللي بدو يعلق عضويته يعلقها… يلحق حاله”. فأي خطاب هو هذا، وهل هكذا تبنى الوحدة الوطنية؟ وهل بهذه الطريقة تتم مواجهة التحديات الإسرائيلية؟

وكما قلنا مرارا وتكرارا فإن مشكلة الفلسطينيين لاتكمن فقط بصحة أو عدم صحة خياراتهم السياسية، وإنما هي تكمن، أساسا، في ضعف بناهم، وتخلف إدارتهم لأوضاعهم، وما يجري في الساحة الفلسطينية اكبر دليل على ذلك.

(نشر في النهار اللبنانية 12/10/2010)

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: ماجد كيالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *