أن تعيش حرّاً تحت الاحتلال؛ الحرّية الفلسطينية كفعل مقاوم يومي

في أدبيات الفكر السياسي والفلسفي، تحتل الحرّية موقعاً مركزياً في منظومات التفسير والشرعية؛ من الحرّية السلبية عند أشعيا برلين، التي تعني غياب التدخل، إلى التحرر من الاستلاب عند هربرت ماركيوز، حيث يغدو الإنسان حرّاً فقط حين يتحرر من المنظومات التي تصوغ وعيه، ومن مفاهيم العدالة الليبرالية إلى نظريات ما بعد الاستعمار عند فانون وإدوارد سعيد. وتظل الحرّية حجر الزاوية في فهم علاقة الفرد بالمجتمع، والدولة والسلطة، والذات والآخر.

لكن حين نُسقط هذه المنظومات النظرية على الحالة الفلسطينية، فإنها تبدو قاصرة عن الإحاطة بتجربة استثنائية يُعاد فيها تعريف الوجود ذاته بصفته فعلاً مقاوماً يومياً، فهنا لا يُمارَس القمع بصفته خرقاً للقانون، إنما تحت غطاء قانوني ممنهج، ولا تُصادَر الحقوق على الهامش، إنما تُحوَّل إلى خطر أمني في صلب الخطاب الرسمي.

في السياق الفلسطيني، لا تُقاس الحرّية بالقدرة على اتخاذ القرار داخل نظام ديمقراطي، إنما بالقدرة على الفعل في ظل نظام قمعي يشكك في مشروعية وجودك ذاته. إنها ليست امتيازاً دستورياً، إنما هي خيار يتجدد كل يوم: في الشارع، والزنزانة، والمدرسة، والبيت، وفي طابور الانتظار. هنا، لا يُمنح الفلسطيني الحرّية، إنما يُجبَر على اختراعها، وإنتاجها من هشيم التجربة وتناقضات الواقع، في مساحة رمادية لا تعترف فيه البنية القانونية بوجوده الكامل، ولا تسقط فيه إنسانيته كلياً.

هذه المقالة ليست تنظيراً في المفهوم، إنما محاولة لإعادة تأصيله من داخل السياق الفلسطيني، كأحد أكثر السياقات تطرفاً في كشف محدودية النموذج الغربي للحرّية. إننا نغوص هنا في المفارقة الفلسطينية الجوهرية: أن تُولد وتعيش في ظل الاحتلال، لكن تُعيد صوغ وجودك بصفته مقاومة حية، وألاّ تُعرّف الحرّية بصفتها وعداً قانونياً، لكن كتمرين يومي في البقاء والكرامة، وأن تتحرر ليس حين تُنتَخب، لكن حين تتنفس. أن تكون حراً لا يعني أن تملك الحق فقط، بل أيضاً أن ترفض محوه، وتُصر على حضوره في تفاصيل يومية تُهددها السلطة الاستعمارية الاستيطانية.

من النظرية إلى التطبيق؛ نماذج إلهام فلسطينية لإعادة تعريف الحرّية

منذ منتصف القرن العشرين، قدّمت النظريات السياسية والفلسفية تعريفات متعددة للحرّية؛ إذ تحدّث أشعيا برلين عن الحرّية السلبية كغياب للقيود، والحرّية الإيجابية كقدرة على الفعل الواعي نحو غاية يختارها الفرد. أمّا نظريات ما بعد الاستعمار، كما عند فانون وإدوارد سعيد، فقد وسّعت المفهوم في اتجاه اعتبار الحرّية مشروعاً تحرُّرياً جماعياً ينشأ من داخل البنى القمعية، لا من خارجها.

وعلى الرغم من قوة هذه التنظيرات، فإنها تبدو قاصرة عند إسقاطها على الحالة الفلسطينية، إذ يعيش الفلسطيني ليس فقط تحت استعمار مادي، بل أيضاً في قلب هندسة قهر معقدة تُعيد صوغ الجغرافيا واللغة والرمز والحق، وهنا لا يملك الفلسطيني حرّية بالمعنى القانوني، إنما يُجبَر على صناعتها في المعنى اليومي؛ ففي سياقات متعددة – حين يواصل الطالب دراسته في مدرسة تُضيَّق عليها الأسرلة، أو يُغنّي فلاح في أرض مهددة بالمصادرة، أو تُستعاد القرى المدمرة في ذاكرة العائلة، أو تُنظَّم أمسية أدبية في فضاء مقدسي مهدد بالإخلاء- لا تكون هذه مجرد تفاصيل يومية، بل أيضاً أشكالاً هادئة من مقاومة تُعيد تعريف الحرّية كحق في الوجود.

وفي هذا الإطار، تُجسّد قافلة الصمود، التي انطلقت من تونس نحو غزة، في حزيران/يونيو 2025، نموذجاً لتحرُّر جماعي لا تحميه الجيوش ولا ترعاه الحكومات، إنما تقوده الإرادة الشعبية، فلم تكن القافلة مجرد وسيلة لإيصال المساعدات، بل أيضاً كانت فعلاً رمزياً أعاد تعريف الزحف من الهامش العربي إلى قلب المأساة الفلسطينية، وفي هذه الرحلة، لم تكن النتيجة هي الجوهر، إنما الفعل ذاته؛ أن تتحرك الشعوب، بلا سلاح، أو تفويض رسمي، لتعلن أن الحرّية لا تُنتظَر، بل تُمارَس بمبادرة واعية تحرج صمت العالم وتكسر هندسة العزل.

وفي امتداد رمزي لهذه الفكرة، تُبْرِزُ سفينة “مادلين”، التي لم تكن مجرد وسيلة تضامن، بل أيضاً أصبحت تعبيراً رمزياً عن الحرّية الإيجابية، حرّيةَ اتخاذ القرار بالمواجهة لا التكيف، ولم يكن عبور البحر هو الهدف، إنما كسر الحصار الأخلاقي الذي يطوق غزة والعالم، ويتقاطع هذا المعنى مع تجربة مادلين كُلاب، أول فلسطينية احترفت صيد الأسماك في بحر تحاصره الزوارق الإسرائيلية من جهة، ونظرات المجتمع من جهة أُخرى. وبين مادلين السفينة ومادلين الإنسانة، تتكامل صورة الحرّية كاجتياز مزدوج للممنوع في الجغرافيا والبنية الاجتماعية.

وتبلغ المفارقة ذروتها عند الحديث عن الحرّية الروحية؛ فبينما يحتشد الحجاج من العالم إلى مكة أو القدس، يجد الفلسطيني نفسه محاصَراً بتصاريح وإجراءات أمنية تُجرده من حقه في التجلي الروحي، ويُراقَب في لحظة الإيمان، وكأن الاحتلال لا يكتفي بمصادرة الأرض، بل أيضاً يمد سلطته إلى ما لا يُرى؛ إلى العلاقة بين الإنسان ومقدّسه، ففي الوقت الذي تبقى فيه الكعبة مفتوحة لكل مسلم، فإن الأقصى محتَل، وكنيسة القيامة مقيَّدة، وهكذا يتحول الحج الفلسطيني (الإسلامي والمسيحي) إلى تجربة روحية تحت الوصاية العسكرية، وتصبح الحرّية الروحية آخر جبهات المقاومة، حيث يُحتل حتى الحق في التجرد، ويغدو الإيمان نفسه فعلاً سياسياً.

في هذه المنظومة، لا يملك الفلسطيني حرّية مؤسساتية، لكنه يصنعها كفعل يومي ينبثق من التفاصيل الصغيرة، ويتجاوز حدود السياسة ليُعيد تشكيل الوعي والحضور والكرامة.

أن تكون حراً بفعل؛ الحياة اليومية كميدان للمعنى والمواجهة

على الرغم من رمزية الأمثلة الكبرى التي تشكّل مشاهد ملهمة لتحولات الحرّية الفلسطينية، فإن الحياة اليومية تبقى الميدانَ الأصدقَ لتعريف هذه الحرّية وتجسيدها؛ ففي القدس، حين يسير الفلسطيني في أزقة البلدة القديمة، أو يرسم على جدارٍ مهدَد بالإزالة، أو يقيم أمسية شعرية في حيّ مُحاصَر، فإنه لا يفعل ذلك بدافع التحدي الظاهري، إنما بدافع الإصرار على الحياة كفعل مقاوم بحد ذاته، وهنا، فالحرّية لا تُمارَس من فوق، ولا يُحتفَل بها، إنما تُنقَذ من النسيان وتُنتَزع كحق في الوجود.

في الضفة الغربية، تتجلى الحرّية في مشاريع التعليم البديل والحراك الثقافي الذي يصرّ على إنتاج خطاب مستقل في بيئة تمزقها سلطتان؛ الاحتلال والانقسام. أمّا في غزة، حيث تتحول الإبادة إلى واقع يومي، فإن الحرّية تصبح شرطاً للبقاء ذاته في وجه القصف وتحت الحصار، ويصبح بناء مكتبة من أنقاض البيوت، أو تنظيم عرض فني في خيمة، أو رسم جدارية في شارع مهجّر، ليس فعلاً رمزياً فقط، بل أيضاً مقاومة حياتية تؤكد أن ما يُراد له أن يُفنى لا يزال قادراً على التعبير والإبداع والحلم.

أمّا في الداخل الفلسطيني، فتُمارَس الحرّية كاسترداد للهوية، في تدريس النشيد الوطني داخل مدارس تخضع لسياسات الأسرلة، أو في إحياء الأعراس بالأغاني الشعبية في بلدات محاصَرة بالسيطرة الرمزية، فيتحول الفعل الثقافي إلى ممارسة نضالية تُعيد إنتاج الذات الوطنية. وفي الشتات، تصبح الذاكرة بنية مقاومة يومية، فتغدو المفردات البسيطة (المفتاح، البلد، الحنين) أدوات لبناء فلسطين الغائبة كإمكان حيّ في الوعي والسلوك.

وهكذا، لا تُفهم الحرّية الفلسطينية بصفتها امتيازاً قانونياً أو شعاراً سياسياً، إنما كممارسة يومية مشبعة بالمعنى، كإجابة متجددة عن سؤال وجودي: كيف أكون حراً في واقع لا يعترف بوجودي؟

والجواب، كما يتجلى في كل مساحة فلسطينية، يبقى: بالممارسة لا بالانتظار، وبالحياة لا بالشعار، وبالمعنى لا بالهيكل.

الحرّية كوصية يومية

في التجربة الفلسطينية، لا تنتهي الحرّية عند حدود التنظير، ولا تُختزل في حدث بطولي، بل أيضاً تُمارَس كوصية يومية في وجه المحو، فهي ليست مشروعاً مؤجلاً في انتظار تسوية سياسية، إنما هي خيار دائم لصناعة المعنى وسط الأنقاض، ولهذا، تبقى الحرّية الفلسطينية فعلاً مستمراً، لا يكتمل، لكنه لا يُهزم.

عن المؤلف: 

مالك زبلح: فنان بصري وكاتب وباحث فلسطيني يقيم بالقدس، يهتم بقضايا السياسات الثقافية والعمل الأهلي في القدس.

عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *