أسطول الحرية… اسطول اسقاط الأقنعة

في زمن الصمت العربي والتواطؤ الدولي، أبحرت مجموعة من السفن الصغيرة المحمّلة بالإرادة والضمير نحو غزة المحاصرة، حاملةً معها أكثر من مساعدات غذائية أو طبية، حاملةً معها رسالة تقول : أن الشعب الفلسطيني ليس وحده، وأن الحصار المفروض عليه ليس قدرًا.
لكن ما إن اقتربت هذه القافلة من المياه الفلسطينية حتى استنفرت دولة الاحتلال الإسرائيلي أقصى أدوات القمع البحري، واعتقلت نشطاءها، وصادرت حمولتها، وقمعت صوتها. دولة مدججة بكل أصناف الأسلحة الجوية والبحرية والبرية تخاف من سفن مدنية صغيرة … لماذا؟
أولاً : لأن أسطول الحرية يمثل — صرخة إنسانية في وجه القمع .
أسطول الحرية لم يكن مغامرة بحرية، بل عملًا إغاثياً تضامنياً هدفه:

  • كسر الحصار البحري على غزة، الذي حوّل القطاع إلى سجن جماعي منذ 2007.
  • إيصال مساعدات إنسانية رمزية، لتأكيد أن الفلسطينيين ليسوا منسيين.
  • فضح الصمت الدولي وتواطؤ حكومات الغرب والعرب.
  • التأكيد أن فلسطين ليست وحدها، وأن العدوان لا يمكن أن يُمرّر باسم “الأمن”.
    دولة تملك جيشًا نوويًا، أسطولًا جويًا متطورًا، تكنولوجيا تجسس عالمية، وتحظى بدعم أقوى دول العالم… لكنها ترتعد أمام بضع سفن تحمل أدوية وكلمات تضامن.
    لماذا؟
    لأن ما يُخيفها ليس السفن، بل الرسالة .
    ما يُرعبها ليس الغذاء والدواء، بل أن تخرج غزة من الحصار، وأن تظل حية، وأن يراها العالم.
    إسرائيل، دولة الإبادة المدججة بالسلاح، تخشى الحقيقة المجردة:
    أن هناك شعبًا أعزل، صامد، لم ينكسر، رغم القتل والحصار والتجويع.
    وتخشى أكثر أن يرى العالم هذا الصمود، ويتحرك.
    لذلك تقمع الأسطول، وتُرهب المتضامنين، وتضغط على الحكومات لمنع أي خرق لحصارها…
    لأنها تعلم أن أضعف موجة تضامن قد تُغرق أقوى أكاذيبها.
    ثانيًا: إسرائيل تخاف من الكاميرا أكثر من الصاروخ
    ما تخشاه إسرائيل حقًا ليس السفن، بل الصورة .
    فكل عدسة توثق قمعها، وكل صوت يدينها من عرض البحر، يهدد سرديتها الزائفة بأنها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”.
    لذلك سارعت إلى اعتراض السفن، تشويش الاتصالات، واعتقال المتضامنين، خوفًا من أن يرى العالم أن ما يجري في غزة ليس حربًا، بل جريمة وابادة .
    ثالثًا: المواقف الدولية — تواطؤ مقنّع بالصمت :
    رغم مشاركة شخصيات دولية ونواب وأطباء وحقوقيين، تجاهلت معظم الحكومات الحدث.
  • لم تُدان إسرائيل بوضوح.
  • لم تُطالب بإطلاق سراح المعتقلين فورًا ولم تطالب برفع الحصار عن القطاع .
  • لم تتحرك المؤسسات الحقوقية كما يجب.
    كل ذلك يُؤكد أن الصمت في زمن القتل هو مشاركة في الجريمة.
    رابعًا: غزة تستقبل القافلة ولو لم تصل
    تابع الفلسطينيون في قطاع غزة المحاصر عن كثب أخبار سفن أسطول “صمود غزة”، حيث اعتبروها رسالة دعم عالمي حتى لو لم تصل أبدا إلى القطاع.
    زكريا بكر، يعمل منسقا للجان الصيادين في غزة، قال “هذا انتصار للحقوق الفلسطينية وأكبر عمل تضامني يقوم به داعمو الشعب الفلسطيني”، موضحا أن الرسائل التي يرسلها الأسطول قوية حتى لو لم تصل إلى قطاع غزة.
    وقال محمد الجارو، أحد سكان مدينة غزة، إن الأساطيل “محاولة لكسر الحصار” المفروض على القطاع، و”تحمل رسالة رمزية” للقضية الفلسطينية.
    وبالنسبة له، فإن الأساطيل “نتيجة لفشل جميع الجهود السياسية والدبلوماسية لوقف الحرب”.
    رغم اعتراض السفن، وصلت رسالتها إلى قلوب أهل غزة:
  • فهناك من لا يزال يقول “لا” للحصار.
  • هناك من يخاطر بحياته ليقول للفلسطيني: لست وحدك.
  • وهناك من يكشف أن الاحتلال ليس دائمًا، وأن الوعي العالمي قابل للانقلاب.
    أسطول صغير… وفضيحة عالمية كبرى :
    أسطول الحرية لم يصل إلى غزة، لكنه وصل إلى ضمير العالم.
    بضع سفن استطاعت إحراج الاحتلال، وتعريته أمام شعوب الأرض.
    فمن يخاف من قارب يحمل
    دواء ومن يرتعد من علم ،
    فلسطين ومن يسجن كلمة ،
    “حرية”هو من يدرك جيدًا أن زواله ليس بعيدًا.
    وإن مُنعت السفن من الرسو،
    فـالحق لن يُمنع من الوصول.
    فغزة لا تنتظر فقط المساعدات…
    غزة تنتظر العدالة.
    وفي هذه الاثناء ترامب الذي قيل انه يسعى لوقف حرب الابادة ويطرح الخطط ويحتقر الجميع وعلى راسهم حكام العرب
    لا يرى “أسطول الحرية”، ولا يرى عشرات الآلاف من الشهداء، ولا يسمع أنين الجرحى تحت الركام. هو لا يرى سوى ما يخدم مصالحه الاقتصادية والانتخابية والسياسية، تمامًا كما يفعل نتنياهو.
    ترامب لا يرى غزة إلا كملف أمني واقتصادي، لا كقضية تحرر وكرامة.
    أما نتنياهو، فقد تجاوز كل ما نُسب لهتلر من وحشية، ليس لأن عدد ضحاياه أكبر، بل لأن وحشيته تمارس باسم “الديمقراطية”، وبغطاء غربي يدّعي “حقوق الإنسان” وأيضا بغطاء وصمت عربي واسلامي يدعي الاخوة العربية والاسلامية .
    والمفارقة المؤلمة:
    أن الشعب الفلسطيني، الذي احتضن اليهود الهاربين من المحرقة ذات يوم ، يُباد اليوم على يد من يزعمون أنهم أبناء ضحية المحرقة ويردون الجميل باسلوب الشعب المختار .
    والمفارقة الأكبر:
    أن العالم الذي قال “لن نسمح بتكرار المحرقة”،
    يصمت اليوم وهو يشاهدها تتكرر، لا ضد اليهود كما زعموا … بل ضد الفلسطينيين.
    لكن، كما تقول غزة دائمًا:
    لن تمروا.
    الحق لا يموت، وإن صمت العالم كله.
    في نهاية المطاف، قد تُحتجز السفن…
    لكن لا قوة في البحر أو البرّ قادرة على احتجاز إرادة شعب، ولا على حجب شمس الحرية حين تُشرق من غزة.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *