أسرى الحرية في فلسطين والقانون الدولي

جاءت حادثة فرار الأسرى الفلسطينيين الستة من سجن جلبوع في منطقة بيسان لتسلط الأضواء على مأساة آلاف الأسرى والمعتقلين في سجون الكيان الصهيوني المحتل للأرض الفلسطينية ظلما وقهرا من دون أي سند قانوني أو شرعي، إلا ما يصدر من قوانين عن منظومة الاحتلال نفسه. الكيان هو القاضي وهو الحاكم وهو السجان. والفلسطيني متهم بالإرهاب ومعاداة السامية إن لم ينثر الورد على رؤوس جنود الاحتلال ويتغزل في عدالة القتلة ويدبج الخطب البليغة في يهودية الدولة.


لقد سطر أبطال السجون، من تمكن منهم من الهرب، حتى ولو أعيد اعتقاله، أو أعلن الإضراب عن الطعام أو قام بالتمرد على سجانيه سِفرا جديدا في ديوان مقاومة الظلم والقهر والعنصرية لشعب يجترح المعجزات وهو يواجه كل هذا الظلم العالمي والعربي والصهيوني. فكيف لهذا الشعب المحاصر أن ينتصر على كل حلقات الأعداء لولا تلك الإرادة الحديدية التي تحفر الصخر وتنتصر على السجان وتفتح طريقا عريضا تحت السجون في اتجاه واحد نحو مشاعل الحرية وذرى المجد؟

من هو أسير الحرب؟

تفرق كل اللغات بين أسير الحرب وبين السجين، وإن كانت اللغات لا تفرق بين مكان الأسر ومكان السجن فكلها سجون أو معتقلات. لكن الأسير كلمة رفيعة المعنى ذات دلالة نضالية واضحة ترفع صاحبها فوق مستوى المناضلين العاديين ولا تعادلها منزلة إلا كلمة الشهيد. فالشهداء والأسرى هم من صنعوا تاريخ النضال والحرية والتخلص من الاستبداد وطرد المحتلين والتخلص من الطغاة والعملاء والخونة على مرّ العصور. وأينما سافرت في هذا الكون تجد تماثيل وصور المناضلين من أسرى وشهداء منتشرة في كل مكان، وتجد الشوارع والساحات والحدائق والمدارس والجامعات تحمل أسماء المناضلين والشرفاء والأسرى والشهداء.
في فلسطين يمنع إطلاق أسماء الشهداء والمناضلين على المواقع والساحات والشوارع.
وحسب القانون الدولي فمصطلح أسير معرف بالتفاصيل في اتفاقية جنيف الثالثة (1949) هو «كل من وقع في أيدي العدو وهو جندي في جيش دولة معترف بها، أو في كيان سياسي يدير دولة حتى ولو لم يكن معترفا بها، أو مقاتل في ميليشيا تابعة لكيان يحمل شعارا خاصا وأزياء مميزة ويحمل السلاح علنا، أو أي مدني هب ليدافع عن بلده أثناء تقدم جيش نحوها لاحتلالها».
أما اتفاقية جنيف الرابعة (1949) فتنص على أن الأطراف السامية المتعاقدة وفي حال قيام نزاع مسلح يلتزم كل طرف في النزاع بحماية «الأشخاص الذين لا يشتركون في الأعمال العدائية ممن يجدون أنفسهم وتحت أي ظرف من الظروف وفي لحظة ما تحت الاحتلال وهم ليسوا رعايا الدولة القائمة على الاحتلال، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا سلاحهم أو العاجزون عن القتال بسبب مرض أو جرح أو احتجاز أو لأي سبب آخر». ومن الواضح حسب التعريفات السابقة أن الفلسطينيين في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة قد وجدوا أنفسهم في لحظة ما، من دون إرادة من لدنهم، واقعين تحت الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 أثناء عمليات عسكرية بين القوات الإسرائيلية من جهة والقوات الأردنية والمصرية من جهة أخرى يصبحون مشمولين بالحماية التي توفرها الاتفاقية.
فحقيقة الأوضاع الناشئة عن احتلال الضفة الغربية، بما فيها القدس، وقطاع غزة تجعل اتفاقية جنيف الرابعة (1949) المتعلقة بمعاملة المدنيين الواقعين تحت الاحتلال أقرب إلى وصف الحالة الفلسطينية. فالغالبية الساحقة من هؤلاء المعتقلين هم مدنيون ينتمون إلى فئات الطلاب والعمال والفلاحين والأساتذة. ومن بينهم برلمانيون منتخبون ورؤساء بلديات وممرضات ونشطاء سياسيون ومدافعون عن حقوق الإنسان ونشطاء مجتمع مدني. الكثير من هؤلاء المعتقلين والأسرى مختطفون من بيوتهم ومدارسهم وكلياتهم وأعمالهم. يعتقل الفلسطيني لأي سبب يخترعه المحتل ويعتقل أحيانا بدون سبب. يعتقل الفلسطيني لأنه يقاوم الاحتلال أو يرفضه أو يتظاهر ضده أو يغني أغنية تبث روح المقاومة ضد الاحتلال. وهذا الرفض ومقارعة الاحتلال حق شرعي وقانوني وأخلاقي، كما نصت على ذلك حرفيا الفقرة الخامسة من قرار الجمعية العامة 3236 الصادر بتاريخ 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1974 والتي تقول: «إضافة، تعترف (الجمعية العامة) بحق الشعب الفلسطيني في استرداد حقوقه بكافة الوسائل بما يتلاءم مع أغراض ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة».
فهل يعد ما يقوم به هؤلاء الأبطال من رفض للاحتلال والعمل على كنسه من وطنهم انتهاكا لأي قانون أم أن وضعهم في السجون والمعتقلات هو الانتهاك للقانون الدولي لأن الاحتلال باطل وما بني على باطل فهو باطل؟

انتهاكات حقوق الأسرى

أن السلطة الفلسطينية، وتحت الضغط الشعبي، وبعد أن أقرت المحكمة الجنائية الدولية أهليتها للتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في فلسطين وإسرائيل، أحالت ثلاثة ملفات أمام المحكمة وهي ملف الاستيطان وملف الأسرى والمعتقلين وملف حرب غزة 2014 وما بعدها، بما في ذلك حرب أيار/مايو الماضي. فملف الأسرى إذن يتضمن انتهاكات ترقى إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وبما أن فلسطين عضو في المحكمة منذ عام 2015 وبما أن إسرائيل موقعة على اتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة والاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب والمعاهدة الدولية لحقوق الطفل، فيمكن إذن للمحكمة الجنائية أن تجمع الأدلة حول العديد من الجرائم المتعلقة بالأسرى والمعتقلين والتي ترتقي إلى مستوى جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية نذكر منها غيضا من فيض:
– إسرائيل قتلت من الأطفال الفلسطينيين المئات من دون أن يشكلوا أي خطر على جنود الاحتلال أو الحواجز أو نقاط التفتيش. وقد أثبتت الكاميرات والاعترافات والدلائل بأن عشرات الأطفال الذين جندلوا بالرصاص الحي قتلوا بصورة متعمدة. وفي عدوان أيار/مايو وخلال 11 يوما قتلت إسرائيل 67 طفلا، ومنذ 21 أيار/مايو وإلى اليوم أضافت 11 طفلا في الضفة الغربية. ومسلسل قتل الأطفال بل وحرقهم لم يتوقف، وهذه الممارسة ما من شك أنها جريمة ضد الإنسانية.
– إسرائيل، خلافا عن العالم بأسره لديها محاكم عسكرية لمحاكمة الأطفال. وقد أصدرت الأمر العسكري «132» الذي يعتبر طفلا من هو دون سن 16 سنة وهو مخالف صراحة للقانون الدولي وقانون عنصري في ذاته لأن الطفل الإسرائيلي يظل طفلا إلى أن يصل سن الثامنة عشرة. يصل الأطفال المحكمة مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين ويعطون أحكاما طويلة وجائرة، فهناك طفل حكم بالسجن المؤبد وهناك 3 أطفال حكموا بالسجن 15 عاما. وهناك أطفال يعتقلون في سن الحادية عشرة أو دون ذلك.
– إسرائيل تمارس التعذيب وبتفويض من محكمتها العليا. ولا تأبه برأي عام أو قانون دولي. ومن بين وسائل التعذيب العديدة التي تستخدمها أثناء التحقيق الحرمان من النوم والتهديد بالكلاب المسعورة والحجز الإنفرادي لمدة طويلة والتعليق أو الشبح وجلسة القرفصاء وإطلاق أصوات مزعجة والتهديد باعتقال الزوجة أو الأم أو الإبن، وتستخدم كذلك أسلوب هدم البيوت وتغريم العائلة تكاليف الهدم، والعقاب الجماعي، أو عقاب من لا دخل له بالعمل انتهاكا للقانون الدولي.
– الرعاية الصحية للأسرى جزء من القانون الدولي حسب نص المادتين 91 و 92 من اتفاقية جنيف الرابعة. ويتعين على سلطة السجون توفير الأطباء والأدوية والمعدات. كل ما تقدمه إسرائيل بعض المسكنات وتحرم الأسرى من العلاج الصحيح. فسياسة الإهمال الطبي الممنهج والمتعمد التي تمارسها مصلحة السجون بحق الأسرى الفلسطينيين ليست بالحديثة، حيث استشهد العديد من الأسرى نتيجة لهذه السياسة. ومن بين نحو 5000 أسير مع نهاية 2020 هناك 700 مريض من بينهم عشرة مصابون بالسرطان. وقد وصل عدد شهداء الأسرى 218 شهيدا تعرضوا للتعذيب والتنكيل والإهمال الطبي المتعمد، بينهم 78 نتيجة القتل العمد و 7 معتقلين استشهدوا داخل السجون والمعتقلات نتيجة إطلاق النار عليهم مباشرة، و 60 نتيجة الإهمال الطبي و 73 نتيجة التعذيب.
– الحرمان من الحقوق التي يكفلها القانون الدولي مثل عدم الاعتقال التعسفي أو تجديد الاعتقال الإداري مرات ومرات. وللأسير الحق في معرفة أسباب الاعتقال وتحديد مدة الاعتقال وتوفير محام للدفاع عن المعتقل وإعلام الأسرة عن مكان وجوده والحق في الاعتراض على التهمة والظهور أمام القاضي والحق في زيارات الأهل والأقارب والحق في الاتصالات الهاتفية واستلام الرسائل البريدية. ولا يجوز لسلطات الاعتقال الحط من كرامة الأسير أو تعريضه للتحرش الجنسي أو المخدرات أو أي مواد قد تؤثر عليه جسميا أو نفسيا.
ونحن نشاهد نضال الأسرى يوميا والذين يؤكدون لنا أن المقاومة بكافة أشكالها هي التي تعيد الحقوق وتحطم عنجهية العدو نود أن نؤكد على ما يلي:
– إن التعاون الأمني بين أجهزة السلطة الفلسطينية وسلطات الاحتلال يهزم منطق العمل على إطلاق سراح الأسرى ويكشف إزدواجية الخطاب. فمن جهة تساهم في الاعتقال ومن جهة أخرى تدعي أنها تعمل على إطلاق المعتقلين.
– إن مسألة الأسرى يجب أن توضع في الإطار الصحيح كجزء من نضال الشعب الفلسطيني والعربي ضد الكيان، وحتى لو أطلقت إسرائيل كافة المعتقلين لما انتهى النضال لأن جوهر الصراع ليس الأسرى بل الأرض والشعب المهجر أو المسجون في وطنه.

عن القدس العربي

Author: عبد الحميد صيام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *