أسئلة سوريّة قادمة من فلسطين

عندما يصل شعب من الشعوب إلى وضعٍ يحرمه من الوصول إلى أهدافٍ قدّم تضحيات كبيرة من أجلها؛ غالبًا ما يظهر سؤال: ما العمل؟ وهذا هو وضع السوريين بعد نحو عشر سنوات من ثورتهم التي قدّموا فيها كل ما يستطيعون أن يقدّموه. وكذلك وضع الفلسطينيين الذين قدّموا الكثير، وخاضوا حروبًا وانتفاضات لمدة تقرب من قرن من الزمان، حتى الحركات الشعبية في لبنان والعراق يحركها سؤال: ما العمل؟

سؤال “ما العمل؟” لا يقتصر على توجيه نقد إلى أداء المعارضات وطريقة عملها، وتحليل الأخطاء والهفوات التي حصلت هنا وهناك، ولا على إصلاح هذه الهيئة أو إحداث تغيير في مناصب أو توسيع في كيان، فحسب، فهذه الإجراءات -على أهميتها- لن تغيّر كثيرًا في الوضع الكلي، ولن تجعل السوريين أو الفلسطينيين أو غيرهم أقرب إلى أهدافهم وحقوقهم.

فإصلاح ائتلاف قوى المعارضة في سورية أمرٌ لم يعد يجد فيه السوريون أي أهمية، بسبب ارتفاع نسبة الفاسدين فيه، لدرجة تذكّر بفساد النظام نفسه، وقلة كفاءة أعضائه تذكّر السوريين بأعضاء مجلس الشعب السوري، ولا سيّما الذين لا لون لهم ولا طعم ولا رائحة.

وضع المنصات والهيئات السياسية التي تشكلت في عدد من العواصم لا يقلّ كارثية عن وضع الائتلاف، فهي مسلوبة الإرادة لصالح العواصم التي تعمل انطلاقًا منها، وهي لا تكاد تمثل إلا نفسها، بل إنها تحولت إلى شبه كيانات افتراضية، وإلى مقاهٍ لشرب الشاي لا أكثر، ولا تنشط إلا عندما يُطلب منها القيام بمهمة معينة.

جهود الأمم المتحدة لا تكاد تجدي، وقرارات جنيف يبدو أنها ستبقى حبرًا على ورق لعشرات السنين، مثلها مثل كل القرارات التي صدرت عن فلسطين. الأمم المتحدة تتحرك عندما يريد أحد الأطراف الكبرى تحريكها، وما عدا ذلك تبقى حدود فعلها مقصورة على الإغاثة، وترتيب بعض التفاهمات وتشكيل لجان محدودة الصلاحيات.

الاستعصاء هنا ليس في وضع السوريين المنتفضين الذين كافحوا بكل قوتهم، وليس في وضع النظام السوري الذي يقوم بعمله من أجل البقاء على أكمل وجه. إنما هو في قيادات سياسية معارضة، لم تنجح في مساعدة السوريين في الوصول إلى أهدافهم. وسؤال “ما العمل” معنيّ بهذه النقطة بشكل رئيسي.

النقاش الفلسطيني الداخلي، الذي نشط بعد تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل ثم مع البحرين، توصل إلى هذا الاستنتاج. القيادات الفلسطينية (الفتحاوية والحماسية) كانت كارثية على الفلسطينيين. منذ اتفاق أوسلو، تتصرف حركة فتح بطريقة أضرت بالقضية الفلسطينية أكثر من أعدائها، أما حماس فلم تجد أي حرج في التحالف مع الأنظمة التي تستغل القضية الفلسطينية لقمع شعوبها.

هذا يكاد ينطبق على الوضع السوري؛ إذ يبدو أن الائتلاف والمنصات والهيئات التي تمثل المعارضة تحوّلت إلى عبء يُثقل كاهل الثورة السورية أكثر من النظام نفسه، على الأقل في بعض الحالات. هل يمثل الائتلاف السوريين بالفعل، وينطق باسمهم، أم أنه يمثل الكيانات التي تقف خلفه؟ هل رؤساء الائتلاف الذين يتناوبون عليه معنيون بالوضع السوري، أم بكيفية بقائهم في كراسيهم؟ شغفهم لمنصب الرئيس يكاد يتعدى شغف ميشيل عون الذي حوّل نفسه إلى دُمية بيد حسن نصر الله، من أجل الحصول على هذا المنصب. يقول عبد الحليم خدام، عن خصوصيات بشار الأسد، إنه جشع ويحب المال، ويسأل مساعديه عن أمواله بشكل منظم ودوري. ولكن كم من قيادات المعارضة تشبه بشار الأسد.

السياسة في النهاية حمل للهموم، وتفكير في مصالح الشعوب. غير أنها تتحول إلى وجاهة وشبكة علاقات عامة، عند من ليس لديه همّ أو من وجد نفسه في ملاعب السياسة، بسبب أو بدون سبب. صرّحت السلطة الفلسطينية بأن الإمارات لم تخبرها بشيء عن التطبيع مع إسرائيل، ولم تستشرها في هذه الخطوة، لأن العلاقات تكاد تكون مقطوعة منذ سنين. هذا يعني أن السلطة تمثل الفلسطينيين أمام أنفسهم، ولا تمثلهم في الخارج، هي سلطة على الفلسطينيين، لا للفلسطينيين. الأمر واضح، لا أحد يحسب حسابًا للسلطة، وليس لها أي قيمة تُذكر. إذا ما طلبنا من الهيئات السورية المعارضة مصارحتنا بوضعها، فسيقولون ما قالته السلطة الفلسطينية: لا أحد يحسب لنا حسابًا، ولا نعرف ماذا علينا أن نعمل، نحن شبه مسجونين في قفص مصالح الدول الفاعلة، وكل ما نقوم به هو تنفيذ أوامر هذا الطرف أو ذاك، لكي نحافظ على مكاتبنا ورواتبنا.

سؤال “ما العمل” يتوجه إلى التفكير في تشكيل سياقات مختلفة للعمل. أهم هذه السياقات تحرير السوريين من هذه الطغم السياسية المعارضة المهترئة، والجاثمة على صدر السوريين منذ قرابة تسع سنوات. إذا ظلت الأمور تسير على وضعها الحالي؛ فلن نحصل في المستقبل على سلطة أفضل من حماس أو السلطة الفلسطينية، هذا في حال استبعاد بشار الأسد من السلطة، وهو أمرٌ مستبعد في المستقبل القريب. سلطة أصغر من طموحات السوريين، سلطة لن تجد في النهاية أي عمل لها سوى إعادة تفصيل قضية السوريين على قياسها.

القضية السورية هي أولًا قضية حريات وحقوق وعدالة، هي قضية إنسانية أخلاقية، قبل أن تكون سياسية. ومن المهم أن يخدم الجميع القضية السورية على هذا الأساس. هي قضية كل السوريين بكل بساطة، أما تركها للسياسيين فهي أسوأ خيار يمكن أن نلجأ إليه.

مركز حرمون

Author: رشيد الحاج صالح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *