أرض الحب والغياب: سرديّة الفقد والهوية الفلسطينية


لم يكن اختيار الروائية سامية عيسى لمقولة جبران خليل جبران في مفتتح روايتها «أرض الحب والغياب»: «ما اخترتُ الصمتَ جوابا إلا لمن سألني: من أنت؟» اختيارا عابرا أو من باب التزيين البلاغي؛ بل ينهض بوظيفة دلالية كثيفة تختصر سيرةً مشبعة بتجربتي اللجوء والفقد. فالرواية، في أحد مستوياتها العميقة، هي تعبير عن تجربة الجيل الثاني للنكبة، كما هي، في الوقت ذاته، استعادةٌ لفقدٍ شخصي تمثّل في اغتيال الأب؛ ذلك الحدث المؤسِّس الذي ترك أثرا بالغا في تشكُّل وعي الكاتبة ومسارها الحياتي برمّته.
وفي موضعٍ آخر، تشير الروائية إلى أن النكبة لم تعد مجرد حدثٍ تاريخي، بل غدت بمثابة «بصمة جينية» تسري في وعي كل فلسطيني وفلسطينية. ومن هذا المنظور، يغدو عنوان الرواية «أرض الحب والغياب» تركيبا دلاليا مشحونا بالتوتر، يؤكد حضور اللاجئ في قلب الغياب، ويعيد تثبيت علاقةٍ لا تنفصم بين الذات الفلسطينية وأرضها، بوصفها موضوع حبٍّ وموضوع فقدٍ في آنٍ معا، فضلا عن كونها أفقا دائما لحلم العودة.
في المقابل، تستحضر الرواية صورة اليهودي العائد إلى فلسطين بوصفها «الأرض الموعودة»، في سردية تقوم على استعادة حقٍّ غائب، وكأنها عودةٌ متأخرة بعد انقطاعٍ تاريخي طويل. غير أن هذه العودة لا تتحقق، سرديا، إلا عبر إقصاء الحضور الفلسطيني؛ إذ يُعاد تعريف هذا الحضور بوصفه غيابا، حتى حين يكون قائما فيزيائيا. وهنا تتجلى إحدى أكثر الثنائيات إشكالية في الرواية: حضورٌ يُنتج غيابا، وغيابٌ يُعاد تشكيله بوصفه شرطا لقيام حضورٍ آخر.
إنها ثنائيات مركّبة تدفع القارئ إلى إعادة تفحّص بنية السرد ومدلولاته، القريبة منها والبعيدة؛ حيث لا يعود الصراع مجرد تعارضٍ بين وجودين، بل يتحول إلى صراعٍ بين سرديتين: واحدة لا تكتمل إلا بإلغاء الأخرى.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن حضور اليهودي، كما تصوّره السردية الإسرائيلية، يُقدَّم بوصفه عودةً إلى وطن بعد غيابٍ يمتد لآلاف السنين، في حين يُدفع الفلسطيني إلى موقع الغياب الرمزي، حتى وهو حاضر. فوجوده لا يُعترف به داخل تلك السردية، بل يُعاد تأويله أو تهميشه، بحيث يغدو غيابه شرطا لتمام الحضور المقابل؛ حضورٍ لا يكتسب معناه إلا عبر نفي الآخر وإزاحته عن المشهد. غير أن الفلسطيني يدرك، كما أدركت الزيتونة العتيقة (الجدة عطاف، كما كانت تسميها الحفيدة وفاء)، أن البقاء في الأرض هو الوصفة الوحيدة للبقاء؛ وهو معادل الوجود الأسمى في معادلة “أن نكون أو لا نكون”.
وضمن هذا السياق، يمكن القول إن رواية «أرض الحب والغياب» تنتمي إلى أدب المنفى الفلسطيني، بيد أنها تطرح سؤالا إنسانيا بالغ الدلالة والعمق: كيف يمكن للإنسان أن يعيش بعد أن يفقد مكانه الأول؛ وطنه، أرض آبائه وأجداده؟ ليس ثمة إجابةٌ مباشرة في الرواية عن سؤالٍ لم تطرحه الروائية بهذا الوضوح، بل ثمة تأملاتٌ وحيواتُ بشرٍ يعيشون ضمن ثلاثة أجيال، تتداخل مع أجيالٍ من مهاجرين يهود يستولون على «أرض الحب»، ما يُنتج حيواتٍ متقطعة بين ذاكرةٍ ماضية، وحياةٍ حاضرة تضجّ بتناقضات انقطاع الزمن الفلسطيني، وحضور زمن المستعمِر اليهودي.
تتمثل الفكرة في أن الزمن في هذه الرواية يبدو متداخلا بين توقّفه، بالنسبة للجدة عطاف، إبّان النكبة، وبين حلم الحفيدة باستعادة زمن الجدة، وبين صدمة اليهودية المغربية راحيل التي ظنّت أنها تعود إلى أرض الآباء والأجداد، لكنها تكتشف أن لهذه الأرض أصحابا.
هنا يتداخل الزمن، فلسفيا، مع المكان؛ إذ يصبح الفلسطيني، وهو يعيش في وطنه، كأنه خارجَه، غريبٌ عنه، طارئٌ عليه. فالزمكان لم يعد، بالنسبة للجدة عطاف أو لحفيدتها وفاء، كما كان قبل النكبة. الجدة تحمل في ذاكرتها ذاكرة فلسطين، لكنها تعيش واقعا ليس واقعها، بل واقع احتلال. ولعلّ من حسن حظها أنها رحلت عن الدنيا قبل أن تشهد زمنا هو امتدادٌ لنكبتها: الحرب الإبادية في غزة، كما تقول الحفيدة وفاء.
تريد الجدة عطاف من حفيدتها وفاء أن تحمل الأمانة: أمانة الانتظار وسردية النكبة والبقاء، وأن تستمر في التشبث بها؛ لأن سؤال الهوية يبدو هنا وكأنه سؤال الوجود برمّته للفلسطيني الذي يعيش في وطنه كأنه خارج المكان. في حين أن ابنة الجدة، مهيبة، تأَسْرَلتْ، وبات زمنها زمن الحاضر، ولم يعد يعنيها إلا أن تعيش اللحظة الراهنة.
ولو أردنا تشريح شخوص الرواية الأساسية، لوجدنا مساراتٍ مختلفةً لها. فعطاف (الجدة) لا تمثل الجيل الذي عاش النكبة فحسب، بل هي تجسيدٌ حيّ لها؛ علاقتها بالأرض ليست علاقة تصوّرٍ لشيءٍ لم تره، بل هي تجربة معاشة وملموسة. إنها تمثل الأرض، «أرض الحب»، قبل أن تتحول إلى فكرةٍ معاشة في وعي الحفيدة وفاء. وباختصار، تمثل زمن يقين الانتماء إلى الأرض؛ بل تمثل الأرض بما فيها وما عليها، وصوتها يصدح: كنا وما زلنا هنا.
في المقابل، تنتمي الابنة مهيبة إلى جيل الانكسار؛ فقد ورثت جرح النكبة، لكنها لم تستطع التماسك نفسيا. كانت واقعيةً إلى حد الهزيمة، وهشّة إلى حد فقدان الهوية والانتماء، تحاول أن تستمر بواقعيةٍ تغلّفها بعقلانيةٍ لا تخلو من انتهازيةٍ مبطّنة؛ فلا هي استمرت في التمسك بهويتها، ولا الآخر الإسرائيلي يقبل بها، لأنها لا تنتمي إليه. إنها تقف في مكان «اللامكان».
بينما كانت الحفيدة وفاء أكثر وفاءً من أمها مهيبة، وأكثر تمسكا بحبل الذاكرة والسردية التاريخية. صحيح أن علاقتها بالمكان الأول (ترشيحا) هي علاقة فكرية تمثّلية، لكنها تعيش حاضرها في زمن استعادة الماضي. إنها إنسان ما بعد المنفى؛ ترفض النسيان وتصرّ على أننا هنا.
أما راحيل (اليهودية المغربية)، فهي تمثل، بشكلٍ أو بآخر، سردية ذاكرةٍ أخرى؛ فهي لا تعبّر عن سردية المستعمِر الصهيوني مباشرة، لكنها تنتمي إليه. إنها امرأة تحمل سردية «العودة» إلى أرض الميعاد، وسردية الشعور بالاقتلاع من المغرب، فتتشكل فيها شخصية مركبة من الاقتلاع والعودة.
في حين نرى أن ملامح شخصية آبيغيل، التي تنتمي إلى الجيل الإسرائيلي الجديد، شخصيةٌ وجودية لكنها قلقة؛ أدركت أنها ورثت أرض الخوف ووطنا من الزيف والقلق (ص50). تبحث عن خلاصها الشخصي، فلا تراه إلا في مغادرة «الغيتو» الإسرائيلي نحو عالمٍ تستطيع فيه أن تنظر إلى عيون الأطفال ببراءة. تريد أن تغيب عن «أرض الميعاد» لتستعيد روحها في مكناس أو في أي مكانٍ آخر، وتحاول إقناع جدتها بعبثية الحياة هناك.
تلتقي وفاء وآبيغيل إنسانيا، كما التقت عطاف مع راحيل وقدّمت الأولى المساعدة للثانية بعد تعرّضها للاغتصاب. غير أن هذا الالتقاء، سواء بين الحفيدتين أو الجدتين، محمّل بثقل التاريخ، وبقهرٍ فرضته بنية ذكورية حكمت مجتمعيهما، وبنكبة الشعب الفلسطيني. صحيح أن الأفراد من الشعبين قد يلتقون، لكن السرديات لا تلتقي، ولا يمكن بناء سرديةٍ مؤتلفة تتجاوز ألم الشعب الفلسطيني. فاللقاء الإنساني لا يرمم جراح النكبة، بل يتعايش معها في كل تفاصيل الحياة، مهما حاول البعض إخفاءها.
صحيحٌ أيضا أن وفاء وآبيغيل قد جمعتهما قضايا مشتركة، كمسألة تحرر المرأة، وتطورت العلاقة بينهما، لكنهما اختلفتا حول مسألة الهجرة وترك البلاد؛ إذ تنطلقان من بعدين متناقضين تماما. فحين قررت آبيغيل الرحيل، لم تجارِها وفاء، لأن فلسطين وطنها، في حين أدركت آبيغيل الخديعة التي انطلت على جدتها، ولم ترد الاستمرار فيها، فكان موقف وفاء: «هجرتي هروب، وهجرتك تحرر» (ص75).
في المقابل، تسعى الروائية إلى إبراز التقاطعات الممكنة بين تجربتي التشتت الفلسطينية واليهودية، متتبّعة أوجه التقارب بينهما؛ فقد جرى تهجير اليهود من بلدانهم، وزُجّ بهم في «المعبروت» (مخيمات تجميع اليهود)، وفي الوقت نفسه تم طرد أصحاب الأرض الأصليون – الفلسطينيون – وعاشوا ظروفا قاسية في بلدان الشتات ومخيمات اللجوء.
ولم تغب حرب الإبادة البشرية والمكانية على غزة عن حيثيات الرواية؛ ولعلّ أدق توصيفٍ لها جاء على لسان وفاء بوصفها تعبيرا عن «متلازمة الهولوكوست»، أي حين تتحول الضحية إلى جلادٍ لا يرحم، أو إلى جماعةٍ منغلقة تشدّ من عصبها تحت شعارات الحرب الوجودية. في المقابل، أدركت آبيغيل عبثية الحديث عن السلام، وصارت الهجرة أقرب طريقٍ لوقف رعبها من مشهدية التطرف الإسرائيلي.
يمكن قراءة رواية «أرض الحب والغياب» ضمن سياقٍ أعمق يؤكد أن الإنسان، حين يفقد أرضه، يفقد اليقين بذاته. صحيح أن همّ عطاف الأكبر كان ألا تهاجر حفيدتها وفاء، لكي تحمل استمرار السردية الفلسطينية وتنتظر الغائبين الذين سيعودون يوما ما، غير أن هذا الانتظار مثقلٌ بالألم، ومشدودٌ إلى مقاومة النسيان والتمسك بالسردية التاريخية.
فالغياب، في الرواية، لا يقتصر على الغياب عن الوطن وعن احتلاله، بل يمتد ليشمل الغياب عن البيت بوصفه الوطن الصغير، وفقدان روح الأسرة وتفككها تحت ضغط الغياب الجسدي والروحي في علاقة وفاء مع زوجها إياد أو عشيقها عماد وصديقتها أبيجيل، وأيضا في علاقة عطاف مع زوجها صبري الذي استغل غياب أهلها في مخيمات اللجوء لينكل بها، وكذا راحيل في غيابها عن وطنها المغرب وفي علاقتها المتوترة مع إسحاق ، خاصة بعدما تم اغتصابها من رئيس المعبروت إيلان…..بعدما تركها إسحاق وحيدة من غير حماية في عالم غريب تجهله والتحق بجيش الدفاع الإسرائيلي.
وأخيرا، يمكن القول إن رواية «أرض الحب والغياب» تقدم مفاتيح جديدة لفهم مفهومي اللجوء والمؤقت ومفهومي الحضور والغياب؛ إذ يتحول اللجوء إلى حالة دائمة، ويتصالح المؤقت مع الغياب، بينما يموت الغائبون بعيدا عن «أرض الحب». إنها رواية تحتضن كثيرا من الحزن، لأنها تسعى إلى إعادة تعريف معنى الإنسان الفلسطيني بعد أن فقد وطنه، وأرضه، وبيته، وترابطه العائلي. كما تساعد على فهم تلافيف القضية الفلسطينية، لا بوصفها قضية سياسية فحسب، بل بوصفها قضية وجودية ونفسية أيضا مع تداعياتها على حياة النساء، الطرف الهش في المعادلة الذكورية للمجتمع الفلسطيني سواء حضر أو غاب. وفي المحصلة، تدفعنا الرواية إلى التفكير في السؤال الجوهري: كيف نعيش بعد الذي حدث؟
أرض الحب والغياب
سامية عيسى
المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت – الطبعة الأولى 2025-181 صفحة