أرشيفي…من بيروت إلى قبرص


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

قبرص، وعودة الروح للاعلام الفلسطيني وقصة وصول أبو عمار الى طرابلس.

في العاصمة نيقوسيا التأم شمل عائلتي الصغيرة بعد طول غياب؛ وفي شوارعها كانت اللهجة الفلسطينية مسموعة بوضوح. وخلال وقت زمني قصير عادت صحفنا للصدور من جديد: “فلسطين الثورة”؛ “الكرمل” ؛ “صوت البلاد”؛ “الأفق”؛ ” بلسم”  وكالة الأنباء الفلسطينية  “وفا” اضافة الى “القدس برس” ولاحقا “مركز الأبحاث” وكذا مجلة اتحاد الاذاعات العربية التي كتبت فيها مع الاستاذ طاهر العدوان يوميات الغزو الاسرائيلي للبنان.

 المرحوم السفير فؤاد البيطار كان له دور فاعل طيلة فترة الاجتياح الاسرائيلي حيث كانت كل اتصالات القيادات السياسية الفلسطينية مع الخارج  تتم من خلاله. كما  أن له الفضل عندما ألحقني ناطقا بكادر الاعلام في السفارة وبموجبه منحت هوية دبلوماسية سمحت لي بحرية التنقل بين القبرصيتين.

عام 1983 تحول مقر السفارة الى خلية نحل وكأن حدثا كبيرا ما ستشهده قبرص. التحركات تمت بسرية تامة وفي وقت واحد توجهت كل السيارات التابعة للسفارة والعاملين فيها في أكثر من اتجاه لتضليل المخابرات الاسرائيلية التي كانت تراقب كل تحركاتنا عن قرب في حين كان السفير البيطار وقلة قليلة من أركان السفارة بمن فيهم شقيقي الأكبر على أرض مطار لارنكا حيث وصل الأخ أبو عمار مرتديا ملابس مدنية ومعتمرا (شابوه) بدل كوفيته المعهودة ، ومن هناك تم التوجه فورا الى منزل السفير في العاصمة نيقوسيا دون التدقيق في جوازات سفر من كانوا على متن الطائرة، يومها أبلغنا سلطة المطار أن الواصلين هم وفد علماء جزائريين رفيعي المستوى لذا وجب عدم المرور بالإجراءات المعمول بها في المطار حفاظا على السرية.

الولاءات داخل سلطة مطار لارنكا كانت مقسومة بيننا وبين المخابرات الإسرائيلية (شراء ذمم) لذا تم تمرير أكذوبة الوفد الجزائري .

مع ساعات الفجر الأولى تم التوجه من نيقوسيا الى مدينة  ليماسول الساحلية حيث كان المرحوم فتحي البحرية كبير مرافقي أبو عمار قد أعد طرادا بحريا سريعا  نقل أبو عمار بواسطته الى قرابة سواحل مدينة طرابلس شمال لبنان من ثم تم نقله بزورق صيد لبناني (للتمويه) حتى وصل بأمان .

العملية برمتها كانت ستبقى طي الكتمان لو لم تنشر وكالة الأنباء الفرنسية خبر وصول  أبو عمار الى طرابلس عن طريق قبرص وهو ما أثار حفيظة الرئيس القبرصي كبريانو؛ لكن هذا الخلاف تم تجاوزه بعد وصول الأخ مسعود (ملحم غندور)  والمعروف حركيا باسم سبيروس ويتكلم اليونانية بطلاقة وله علاقات قوية في كل من اليونان وقبرص ( لاحقا سفير فلسطين لدى اليونان بعد الأخ شوقي أرملي) .

عشقي للعراق قادني الى القيام برحلة الى بغداد؛ لكن هذه الزيارة لم تكن مثل سابقاتها اذ فور وصولي الى بغداد عن طريق عمان تمت مصادرة جواز سفري الخاص الذي كان الرئيس صدام حسين (وقتها كان النائب الأول للرئيس أحمد  حسن البكر) قد أمر بمنحي اياه عام 1976.

في المطار أبلغت أن هذا مجرد اجراء روتيني ويشمل كل حملة الجوازات الخاصة الصادرة عن الرئاسة وأنني أستطيع استلام جوازي من يد  السيد برزان حسين التكريتي شقيق الرئيس الذي كان يشغل منصب رئيس المخابرات العامة.

السفير عزام الأحمد وأنا قمنا بزيارات مكوكية كثيرة لمكتب فلسطين والكفاح المسلح لاسترداد جواز السفر لكن دون جدوى رغم أن سفارتنا في قبرص قامت بارسال 3 برقيات موجهة من القيادة الفلسطينية الى القيادة العراقية للمساعدة في تسهيل سفري بدعوى حضور المجلس الوطني مع أني لم أكن عضوا فيه. مع ذلك لم أتمكن من استرداد الجواز أو حتى من مقابلة برزان.

محاسن الصدف أني وجدت في حقيبة سفري جواز مرور لبناني (هذا الجواز لا يصلح الا لسفرة واحدة) لكنه كان الوسيلة الوحيدة المتبقية أمامي لمغادرة العراق. به طلبت من الأخوة العراقيين وضع ختم خروج كي يسمح لي بحرية المغادرة؛ وهو ما قد تم.

في نفس اليوم حجزت على أول طائرة متوجهة الى العاصمة الأردنية بعد أن قيل لي أن هناك طائرة متوجهة الى قبرص صبيحة اليوم التالي وأن علي ترتيب ذلك في المطار في عمان.

في مطار الملكة عالية في عمان أخذ مني جواز المرور وأمرت بقضاء ليلتي على مقعد خشبي؛ ولو دقق مسؤول الجوازات باسمي لوجد أن المعلومات المدونة على جواز المرور مطابقة للمعلومات التي كانت على الجواز العراقي باختلاف مكان الولادة فقط والذي بموجبه دخلت الأردن بكل الترحاب في طريقي الى بغداد.

في المطار  دخلت في حوار ساخن مع بعض اللبنانيين المحسوبين على الصف الانعزالي والذين كانوا سيغادرون صبيحة اليوم التالي أيضا؛ كنت متأكدا أنني لن أراهم بعد ذلك؛ لذا كنت حادا في ردودي عليهم.

عند افتتاح مكاتب السفر داخل المطار صبيحة اليوم التالي توجهت الى أحد تلك المكاتب للتأكد من موعد الرحلة الى قبرص وتثبيت الحجز . فوجئت أن أقرب رحلة الى قبرص هي بعد أربعة أيام؛ وليست كما قيل لي في بغداد.لم يكن في حوزتي سوى 100 دولار فقط وهي غير كافية للسفر عبر بلد آخر. 

رق حالي للسيدة في شباك تذاكر السفر وأرادت مساعدتي؛ في نهاية البحث توصلت الى أن الخيار الوحيد هو السفر على طائرة الميدل ايست المتوجهة الى بيروت ومنها التوجه الى قبرص بعد ٤ ساعات .. ما بين هذا الخيار والنوم على المقعد الخشبي في المطار  لمدة أربعة أيام أخر جعلني أقبل ما عرضته رغم معرفتي بخطورة هذه الخطوة خصوصا وأن جواز المرور اللبناني الذي اتنقل به جواز  مزور؛ اضافة الى أني سأكون على نفس الطائرة مع من دارت بيني وبينهم مشادة حول الوجود الفلسطيني في لبنان؛ كما أن المطار مسيطر عليه من قبل حزب الكتائب اللبناني .

الضابط الأردني الذي صدع رأسي طوال اليوم السابق عن الأخوة الأردنية – الفلسطينية قادني مكبل اليدين الى باب الطائرة؛ وفك القيد عني على مدخل الطائرة ثم ناولني جواز مروري.

في مطار بيروت سارعت بشراء صحيفتي “السفير” و”النهار” كي أختبئ خلفهما لحين انقضاء ساعات الانتظار في قاعة الترانزيت. احتياطيا اتصلت هاتفيا بالصديق الأستاذ حسين حلاق (سياسي سوري معروف وكان في حياته يعتبر الابن المدلل للرئيس جمال عبد الناصر وله أصدقاء سياسيين كثر في الصف الوطني في لبنان اضافة الى أنه كان محسوبا علينا). فوجئ بأني أخاطبه من مطار بيروت. قال لي: هذا جنون؛ ماذا تفعل في مطار بيروت؟ قلت: الظروف هي التي حكمت  وأبلغني أنهم قاموا صباح نفس اليوم بتهريب محمود درويش بصعوبة من لبنان والتأكد من سلامة وصوله خارجا. قلت له: اذا لم اتصل بك خلال 8 ساعات من قبرص فاعلم أني معتقل في مكان ما في لبنان.

أنهيت المكالمة وعدت الى المقعد حيث حقيبتي الصغيرة فوجدت اثنان من الفرقة 16 (الدرك اللبناني) ممسكين بالصحفيتين اللتان اشتريتهما للتخفي؛ ترددت قليلا؛ لكني قلت في نفسي “يموت الانسان مرة واحدة” وليكن ما سيكون!. تقدمت نحوهما بخطى ثابتة؛ نظرا الي ثم قالا بكل أدب: “ما تؤاخذنا استاذ أخذنا الصحف دون استئذان منك”. هدأت نفسي قليلا وقلت بكل ثقة: يمكنكما أخذهما لأني تصفحتهما (كان ذلك كذبا). شكراني على ذلك وأعادا لي الصحيفتين.

عندما حان موعد اقلاع الطائرة الى قبرص تبين لي أنهم يتفحصون جوازات السفر ولو شاهدوا جواز مروري اللبناني المزور لكانت الطامة الكبرى. من حسن حظي أن من يقوم بالتدقيق في جوازات السفر هما رجلا الفرقة 16 اللذان تحادثت معهما مسبقا . عندما وصلت لهما قمت بحركة كمن يبحث عن جواز السفر. أحدهما بادرني بالقول: تفضل استاذ ما في حاجة نشوف جوازك؛ الله معك. تنفست الصعداء وسرت نحو الطائرة غير مصدق أني قد تجاوزت كل تلك المخاطر والتي ربما كانت خاتمة حياتي عندها.

وصلت الى مطار لارنكا ومنها الى نيقوسيا وهناك وبعد التجربة المرة التي مررت بها في العراق والأردن ولبنان تيقنت أن لا أمان لي في أي من بلاد الأشقاء وأن فكرة البحث عن شتات جديد بدأت بالتبلور؛ وهذا ما كان.

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: قدري قيس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *