أربع هشاشات مُؤسسة للتطبيع العربي (الخليجي تحديداً)

ثمة زاويا عديدة يمكن النظر من خلالها لمحاولة فهم إندفاعة التطبيع الخليجي مع إسرائيل وتحليلها والتفكير في ما يمكن عمله لمقاومة ما ينتج عنها. تتأمل هذه الاسطر احدى هذه الزوايا ومن خلالها تركز الضوء على ما يمكن وصفه ب “الهشاشات العربية الاربع الممُهدة للتطبيع”، بأمل ان تساهم في تعميق فهمنا للمشهد وبالتالي اجتراح الأدوات والسياسات الفعالة لمواجهة الخراب والتخريب المرافق لهذا التطبيع. والهشاشات المقصودة هنا هي: هشاشة غياب الحرية، الهشاشة الايدولوجية والثقافية، الهشاشة الديموغرافية، وهشاشة المسوغ الإقليمي. ليست هذه الهشاشات حصرية إذ قد يُضاف إليها هشاشات أخرى مهمة، كما انها تنطبق على الدول والمجتمعات العربية بتفاوت في الدرجة والعمق او الاتساع، بيد انها تنطبق في معظمها على السياق الخليجي. وإذ يبرز بعضها بوضوح في دول الخليج العربي أكثر من غيرها، فإن بعضها الآخر يتشابه ويتقارب تأثيره في معظم الدول العربية وربما غيرها. والمهم هنا هو الإنتباه الى آلية اشتغال هذه الهشاشات في البنى التحتية السياسية والاجتماعية والثقافية في الدول المُندرجة في التطبيع، وبالتالي استكناه كيفية مواجهتها واخذها في الحسبان في استراتيجيات المواجهة والتفكيك.

تتجمع الهشاشات مع بعضها البعض وتقدم عددا من المجتمعات والأنظمة العربية فريسة سهلة للإختراق من قبل أيديولوجية صهيونية ويهودية صلبة ومتماسكة ولها اهداف واضحة، متمثلة في المشروع الصهيوني الشرق اوسطي الثلاثي الذي يقول ان ازدهار المنطقة مرهون بتحالف بين العقل إسرائيلي، والمال الخليجي، والايدي العاملة العربية الرخيصة. نحن إذن امام هشاشة عربية تتوسع وتتعمق شيئا فشيئاً مقابل صلابة صهيونية تتقوى اكثر فأكثر.

اولاً: هشاشة غياب الحرية

معظم البلدان والمجتمعات العربية تعيش تحت وطأة إستبدادات سياسية متنوعة الدرجة، وتغيب فيها الحريات المختلفة وعلى رأسها الحرية السياسية وحرية التعبير عن الرأي. هذا يعني ان الشعوب العربية التي تعيش في دول قمعية تقرر انظمتها التطبيع مع إسرائيل لن تستطيع ان تعبر عن رأيها المُعارض، وتواجه الأصوات التي تعلو في وجه هذا التطبيع الاعتقال الفوري وكتم الصوت. تاريخيا، هناك علاقة عضوية وطفيلية بين نشوء الاستبداد العربي وقيام المشروع الصهيوني منذ عهد الاستعمار البريطاني في فلسطين، واستمرت هذه العلاقة وتوطدت مع تجذر واستقواء الاستبداد العربي. وقد وفر هذا الأخير البيئة المُناسبة لنمو واستقواء المشروع الصهيوني، وأمده بشكل مباشر وغير مباشر بأسباب الحياة. تمثل هذا في آليات عديدة منها ان فريقاً من الأنظمة التسلطية الخائفة من شعوبها والفاقدة لشرعية داخلية بحثت دوما وما تزال عن شرعية خارجية وحلفاء من الخارج يقدمون لها الدعم ويعززون من سيطرة هذه الانظمة، ومن تمكنها من بلدانها وشعوبها وثروات اوطانها. وكان الغرب والولايات المتحدة بعد تأسيس إسرائيل هما المصدر الأهم لهذا الدعم ولتوفير الشرعيات المفقودة، وبالتالي تبلورت عملية مُقايضة كبرى تقوم من خلالها هذه الأنظمة بقمع الحريات الداخلية التي توفر تأييد شعوبها لفلسطين وتقديم الحد الأدنى من المواقف اللفظية والسياسية إزاء القضية الفلسطينية مقابل سكوت الغرب عليها ودعمها لها. وثمة فريق آخر من تلك الأنظمة المُستبدة وظف فلسطين و”المعركة مع العدو”، وتحت شعارات ثورية ومقاومية، من اجل تخليق شرعية للحكم القائم وإدامته. في كل الحالات كانت الضحية المباشرة لهذا الاستبداد بتنويعاته الشعوب نفسها ومصالحها وحريتها في التعبير عن ارادتها المستقلة بشأن حاضر ومستقبل بلدها وثرواتها، بما في ذلك القرارات الكبرى والتوجهات الاستراتيجية مثل التطبيع مع إسرائيل.

في ذات الوقت ظل الخوف من حرية الشعوب العربية هاجسا صهيونيا واسرائيليا دائما، لأن التعامل مع أنظمة فردية مُستبدة هو الاسهل عملياً بما لا يُقاس والمطلوب دوماً، سواء إسرائيليا ام أمريكيا. على ذلك لعب الاستبداد العربي الحاجز الواقي والحامي لأمن إسرائيل، وعزل الشعوب العربية وارادتها عن الانخراط عمليا في الصراع عن طريق التأثير في القرار السياسي. لهذا السبب بلغ القلق الإسرائيلي مداه خلال الربيع العربي الذي حمل معه احتمالات انفلات الشعوب نحو حريتها، ونحو إنهاء إحتكار قرار السياسة والمصائر الكبرى من قبل نخب مستبدة وفاسدة. وتنفست إسرائيل براحة وعمق عندما تعثر الربيع العربي وعاد الاستبداد الى العواصم العربية، بشكل اكثر تسلطاً وقمعية. ما نستنتجه من هشاشة الحرية وفي ضوء اندفاعة التطبيع الخليجية الحالية هو التأكيد على ان إسرائيل لا تستطيع ان تعتاش إلا على الاستبداد العربي وانظمته التسلطية والتحالف العضوي معه.

لذلك وفي المواجهة الاستراتيجية طويلة المدى مع المشروع الصهيوني على الفلسطينيين ان يقفوا بكل قواهم مع مشروع الحرية والديموقراطية في المنطقة العربية ولكل الشعوب العربية، لأن هذا المشروع هو الذي يحرر إرادة الشعوب، ويتركها لتختار مواقفها من دون قمع الأنظمة المُستبدة المتحالفة موضوعيا مع إسرائيل والولايات المتحدة.

ثانيا: الهشاشة الأيديولوجية والثقافية

في عصر ما بعد الأيديولوجيا عالميا وتمثلاته عربيا، وتأمل واقع الأجيال الشابة العربية الحالية، نلحظ ان هذه الأجيال لم تنخرط في تجارب أيديولوجية صلبة، تعمق من الفكر والفهم وتعزز روح الرفض والمجابهة، وتنزع نحو التغيير. الجيل الشاب اليوم ممزق بين ضغوط إيجاد فرص عمل في بلدان تعاني اقتصاداتها من ضعف بنيوي متواصل، وضغوطات الحياة الاستهلاكية التي عملت على تشويه منظومات القيم وقلب الأولويات، في ظل ضخ اعلامي وسينمائي بالغ التسطيح. تتفاقم الظواهر الاستهلاكية هذه في المجتمعات العربية عموماً، لكنها تبرز بشكل اكثر وضوحاً في الخليج، حيث تصعد الى سطح المجتمعات طبقة شبابية مشتتة في بوصلتها القيمية همها الأساسي هو المنصب والثراء، ولم تنخرط في تجارب سياسية عميقة تصهر الافراد والجماعات في سياق طموحات جمعوية كبرى. إضافة الى ذلك، وفي السياق الخليجي، لم تمر معظم بلدان الخليج وشعوبها في مراحل الانخراط الطويل في أيديولوجيات عميقة وصلبة إزاء القضايا الكبرى مثل القومية العربية، والماركسية، والإسلام السياسي. هذه الأيديولوجيات الصلبة اختلفت فيما بينها في الكثير من القضايا والى درجة الاقتتال، كما انها عانت من الكثير من الاختلالات، لكنها اتفقت نظريا وسياسيا على أولوية واهمية قضية فلسطين. وانتجت ثقافة واعلام ووجدان شعبي عميق لا يُهادن في هذه المسألة في المجتمعات التي ولدت وتجذرت فيها. وبقيت آثار ما انتجته حتى يومنا هذا متمثلة في جوانب ثقافية وإعلامية ودينية عديدة، وصاغت الخطابات التي تسيدت مجتمعاتها في هذا الشأن. هناك استثناءات مهمة في الخليج بطبيعة الحال، فعلى الصعيد الماركسي برزت مثلا ثورة ظفار في الستينيات وبعض امتداداتها في الخليج، وثمة استثناءات مُقدرة أخرى قومية عربية متمثلة في حضور التيار القومي العربي في الكويت والبحرين في مراحل تاريخية معينة، لكن الشرائح الاعرض من مجتمعات اليوم تحديدا ظلت بعيدة عن تأثير هذه الاستثناءات. اما على مستوى الإسلام السياسي، فإن النسخة التي سادت المنطقة الخليجية هي نسخة الإسلام السلفي – الوهابي بتنويعاته المختلفة لكن المتفقة في تياراتها الرئيسة عموماً على مركزية مسألة طاعة ولي الامر. وهذه هي المسألة المركزية التي ينظر لها علماء السلاطين ويؤولون ويفسرون كل المواقف السياسية للأنظمة من منظورها الديني ويبررون بها كل ما تقوم به الانظمة، كما تشهد شواهد كثيرة، بما في ذلك التطبيع الراهن مع إسرائيل.

في ظل غياب تلك الابعاد الأيديولوجية الرافضة، ومع الرفاه والثروة التي جلبتها الوفرة النفطية منذ سبعينيات القرن الماضي فإن المجتمعات الخليجية سرعان ما وقعت فريسة النمط الاستهلاكي في الحياة، المتفاقم مع الانفجار الإعلامي والدعائي والذي صاحب العولمة الاقتصادية والإعلامية منذ التسعينيات الى الآن. اما الأنظمة نفسها، فقد وجدت نفسها امام مهمة الحفاظ على الثروة النفطية والتحكم بها بكل الوسائل، واهمها التحالف مع الولايات المتحدة خارجيا، واعتماد نمط الدولة الريعية داخليا والذي بموجبه يحظى المواطن بإمتيازات ومنح كبيرة تحوله الى مجرد متلقي وتابع للدولة وسياساتها، وتتذرى بالتالي قدرته على الرفض والمعارضة – و هو ما يفسر جزئيا (وليس بالضرورة كليا) السكوت الشعبي في الخليج على التطبيع.

في ضوء ذلك، تشير المقارنة بين التطبيع الإسرائيلي مع مصر والأردن من ناحية والتطبيع مع الامارات من ناحية أخرى، الى ان عمق الصلابة الأيديولوجية والثقافية الشعبية والنخبوية والإعلامية في الحالتين المصرية والاردنية، حيث حشرتْ التطبيع في الحيز الرسمي والأمني الضيق. بينما في الحالة الإماراتية والبحرينية نجد اندفاعة تطبيعية هائلة تقودها الدولة وتكاد لا تلقى اية جدران صلبة داخليا للوقوف في وجهها، وجزء من تفسير ذلك يعود الى الهشاشة الأيديولوجية والإرث الغائب والفعال للأفكار الكبرى، بالإضافة الى تسيّد “النمط الاستهلاكي والتفاخري” في الحياة كشبه أيديولوجية بديلة.

ثالثا: الهشاشة الديموغرافية

تبرز هذه الهشاشة بوضوح في بعض دول الخليج وخاصة الصغيرة منها مثل الامارات، قطر، البحرين والكويت. في البلدين الأوليين تبلغ نسبة عدد السكان للوافدين والأجانب في حدود ال 10% وهي تعكس خللا ديموغرافيا يراه الكثير من المحللين والخبراء الخليجيين خطراً استراتيجياً حقيقيا على بنية هذه البلدان ومستقبلاتها، خاصة في ظل غياب حلول حقيقية بعيدة المدى له. في الحالة الإماراتية على وجه التحديد وبكونها الأكثر اندفاعا للتطبيع “الدافىء” ومتعدد المجالات، يبلع تعداد السكان الإجمالي حوالي العشرة ملايين، منهم مليون اماراتي او اكثر قليلا. يُضاف الى هؤلاء الوافدين العرب والأجانب والآسيويين. من هؤلاء هناك نصف مليون غربي تقريبا (بريطاني، امريكي، أوروبي، كندي، …) ومعظم هؤلاء يشتغلون في مناصب إدارية وتقنية عُليا، وهناك أيضا مليونان ونصف مليون هندي، ومليون ونصف مليون باكستاني، وثلاثة ارباع مليون بنغالي. اذا ركزنا على الاماراتيين من زاوية القدرة على إدارة العشرة ملايين الموجودين في البلد، وبحسب التركيبة السكانية التي تغلب عليها سمة الشباب فلنا ان نقول ان نصف مليون تقريبا من الاماراتيين هم تحت سن العشرين، وبالتالي خارج معادلة الإدارة والقيادة. يتبقى نصف مليون آخر هم في سن يمكن الاعتماد عليهم في الإدارة العامة لموارد البلد واقتصاده وسياسته. من النصف المليون المتبقي ينبغي حسم ما بين الثلث الى النصف تقريبا وهي فئة النساء غير العاملات بما في ذلك الأمهات وربات البيوت والكبيرات في السن، مُضاف اليهن ربع الرجال الذي يقعون في فئة كبار العمر او المتقاعدين وغير العاملين. يقود ذلك الى نتيجة مفادها ان المتبقي من الاماراتيين الُمناط بهم مهمة الإدارة العامة للبلد ومواجهة تحدياته لا يتجاوز الربع مليون. من هؤلاء نسبة عالية في الجيش والامن العام والسلك الدبلوماسي المتواجد خارج البلاد، وهؤلاء قد يصل عددهم الى خمسين الف في الحد الأدنى. يعني ذلك ان هناك ما يُقارب المئتين الف هم من يبقى لإدارة دفة البلاد مدنيا في قطاعات السياسة والاقتصاد والتعليم والصحة والاستثمار وسوى ذلك – هذا بفرض ان هؤلاء يمتازون بكفاءة إدارية عالية وفعالة. وتمثل هذه الشريحة الرقيقة اقل من 2%  من مجموع السكان في الامارات. تشير هذه التقديرات السريعة والتقريبية الى عمق الأزمة السكانية في الامارات وهي ذاتها تقريبا تنطبق على دولة قطر، وبدرجات افضل نسبيا في البحرين والكويت تبعا لنسب الوافدين الى المواطنين في البلدين. يقود ذلك الى تأملات عديدة وربما موسعة ليس هذا مكانها، لكن يكفي مقارنة اعداد الغربيين، النصف مليون، بالمائتي الف اماراتي الفاعلين إداريا.

وفي ضوء ذلك ومع التطبيع الدافيء مع إسرائيل وفتح الحدود والتسرع في تسهيل استقبال الاستثمار الإسرائيلي والمستمرين الإسرائيليين لنا ان نتوقع ونتخيل سرعة النفاذ في تلك التركيبة الديموغرافية والإدارية الهشة. ويُضاف الى العنصر الإسرائيلي المتوقع تزايده بشكل كبير توقعات بقدوم الكثير من الغربيين الذين يحملون جوازات سفر غربية إسرائيلية مزدوجة، او الغربيين اليهود الذي سوف تغريهم البيئة السياسية والاقتصادية والدينية الجديدة في الامارات. لم يحدث هذا في حالتي التطبيع السابقين في مصر والأردن، حيث لم يكن بإمكان إسرائيل وكل رساميلها وبكل وسائلها اختراق البنية السكانية للبلدين بسبب ضخامة عدد السكان في حالة مصر، والتماسك الديموغرافي في الحالتين.

وربما يتمثل احد التحديات الرئيسة لمآلات التطبيع في الإمارات والخليج في الحفاظ على الكتلة العربية والفلسطينية من الوافدين وعدم تسربها من هذه البلدان وعدم إخلاء مواقعها لصالح الوافدين الجدد.

رابعا: هشاشة المسوغ الاقليمي (عملية الحرب)

السياق الإقليمي العريض الذي اندفع في اطاره التطبيع الاماراتي والبحريني، ويريد ان يجر اليه بلدان أخرى مثل عُمان والسعودية ونأمل ان يفشل في ذلك، هو سياق حشد هذه البلدان مع إسرائيل ضمن حلف واحد ضد ما تسميه اسرائيل “الخطر الإيراني” المُشترك بينها وبين هذه البلدان. تطور الاشتغال على هذا الخطر وتضخيمه والمبالغة فيه بهدف إخافة دول الخليج ودفعها الى الحضن الإسرائيلي بعد حرب العراق سنة 2003 والتخلص من قوته العسكرية، وما نتج عنه من بسط للنفوذ الإيراني في العراق ثم تاليا في المنطقة. ساهمت إيران بدورها في تعزيز خوف الدول الخليجية عبر سياساتها التوسعية في المنطقة. كما ترافق تزايد ذلك النفوذ مع أمرين، الأول هو الملف النووي الإيراني وانتقاله الى موقع متقدم على الاجندة الإقليمية، والثاني هو ترهات الخطاب الإيراني الذي اشعله الرئيس الإيراني السابق احمدي نجاد حول إبادة إسرائيل بما عزز التوظيف الإسرائيلي لفكرة “الخطر الإيراني”. تصاعدت الهيمنة الإيرانية في المشرق بشكل متسارع مع الربيع العربي وتدخل ايران في سورية ثم اليمن، وعزز ذلك نظرية “التهديد الإيراني” الذي تم تصويره على شكل “خطر وجودي” على إسرائيل وعلى دول الخليج وخاصة السعودية والامارات والبحرين. ويمكن القول ان هذا التهديد واستثماره تحول الى “عملية حرب” تزعم إسرائيل من خلالها انها القوة الوحيدة التي توقف ايران وسوف تقود حربا عليها. “العملية” او ال process في هذه السيروة هي المسألة المهمة والتي من خلالها يتم حصد ثمار ومنجزات عديدة بينما “الحرب” نفسها لم تكن عمليا على الاجندة الإسرائيلية ولا حتى الإيرانية. تُماثل “عملية الحرب” هذه ما رأيناه في “عملية السلام” الإسرائيلية – الفلسطينية التي استمرت فيها العملية – ال process، لكن السلام لم يتحقق ولم يكن أصلا هو المقصود. خلال “عملية” السلام أنجزت إسرائيل اهدافا كبيرة وعديدة من ضمنها أعادة تأهيل صورتها عالميا وبناء علاقات دبلوماسية مع عشرات الدول بما فيها دول كانت من المناصرين التقليديين لفلسطين (مثل الهند والصين ودول افريقية عديدة) بدعوى ان السلام مع الفلسطينيين قيد الحدوث. وعلى نفس المنوال فإن عملية الحرب المزعومة ضد ايران حققت لإسرائيل اختراقات كبيرة في الوضع العربي بمسوغ ان إسرائيل تقف مع دول عربية في نفس المعسكر ضد ايران، وان إسرائيل سوف تحارب او هي من تستطيع ان تحارب ايران.

بطبيعة الحال يعرف الجميع ان إسرائيل لن تحارب عن الآخرين وان استخدامها ل “الخطر الإيراني” يأتي في سياق التوظيف الإقليمي وتمهيد الأرض لإختراقات أخرى في الجسد العربي. كما ان الأنظمة الخليجية نفسها تعرف على الاغلب ان هذا هو جوهر السياسة الإسرائيلية، ومع ذلك فإن هذه الأنظمة تستخدم نفس نظرية “عملية الحرب” لتنفتح على إسرائيل لتحقق ما تظن بأنه أهدافا خاصة بها. وعلى رأس هذه الأهداف، في حالة الامارات، الحصول على أسلحة أمريكية متقدمة مثل الطائرة المقاتلة F-35، وتعزيز ما تظنه الريادة الإقليمية لها في المنطقة، والحفاظ على موقع متقدم في التحالف مع واشنطن، إضافة الى اعتبارات استراتيجية اكبر لها علاقة بالنفوذ الصيني التجاري في المحيط الهندي، والمعركة الصامتة حول الموانىء الاستراتيجية بما فيها موانىء اليمن والصومال وقوادر في الباكستان وغيرها.

يمثل المسوغ الإقليمي – أي “عملية الحرب”، وبرغم هشاشته الجوهرية، واحدا من اكبر التحديات في مواجهة التطبيع الخليجي، لأنه ينقل الخطاب إلى مستويات “التهديد الوجودي” خاصة إزاء إيران، وإنزال خطاب بمثل هذه الوطأة في قلب النقاش التسويغي يهدف بطبيعة الحال الى اسكات المعارضين، ولجم أي مقاومة شعبية داخلية ام خارجية، لكنه يظل بحاجة الى مواجهة وتفكيك عميقين وضرورين.

(من مجلة “شؤون فلسطينية” العدد  ٢٨، ديسمبر ٢٠٢٠)

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *