أربعة دروس من أوكرانيا


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

كان أحد أول الإجراءات التي اتخذها الرئيس فولوديمير زيلينسكي هو سحب أوكرانيا من “لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف” -الهيئة الدولية الوحيدة التي تتأكد من عدم إنكار النكبة الفلسطينية أو نسيانها. وقد اتخذ هذا بمبادرة من الرئيس الأوكراني الذي لم يكن ينطوي على أي تعاطف مع محنة اللاجئين الفلسطينيين ولا يعتبرهم ضحايا لأي جريمة. وذكر في المقابلات التي أجريت معه بعد القصف الإسرائيلي البربري الأخير لقطاع غزة في أيار (مايو) 2021، أن المأساة الوحيدة في غزة هي تلك التي عانى منها الإسرائيليون. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يعني أن الروس وحدهم هم الذين يعانون في أوكرانيا.

    * *

    ذكرت صحيفة “يو إس إيه توداي” أن صورة انتشرت على نطاق واسع لبناية عالية في أوكرانيا تعرضت لقصف روسي تبين أنها بناية سكنية من قطاع غزة هدمها سلاح الجو الإسرائيلي في أيار (مايو) 2021. وقبل أيام قليلة من ذلك، اشتكى وزير الخارجية الأوكراني للسفير الإسرائيلي في كييف من “إنكم تعاملوننا مثل غزة”؛ وكان غاضبًا لأن إسرائيل لم تعلن إدانتها للغزو الروسي ولم تهتم سوى بإخلاء المواطنين الإسرائيليين من البلد (هآرتس، 17 شباط (فبراير) 2022). وكان ذلك مزيجًا من الإشارة إلى إجلاء الأوكران المتزوجين من فلسطينيين من قطاع غزة في أيار (مايو) 2021، وكذلك تذكيرًا لإسرائيل بدعم الرئيس الأوكراني الكامل للهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة في ذلك الشهر (سوف أعود إلى الحديث عن هذا الدعم في نهاية هذا المقال).

    في الحقيقة، يجب ذكر اعتداءات إسرائيل على غزة وأخذها في الاعتبار عند تقييم الأزمة الحالية في أوكرانيا. ليس من قبيل المصادفة أن يتم الخلط بين الصور -لا توجد العديد من الأبراج العالية التي أطيح بها في أوكرانيا، لكنّ هناك وفرة في الأبراج الشاهقة المدمرة في قطاع غزة. ومع ذلك، ليس النفاق بشأن فلسطين فقط هو الذي يظهر عندما ننظر إلى الأزمة الأوكرانية في سياق أوسع؛ إنها المعايير المزدوجة الغربية الشاملة هي التي يجب أن تخضع للتمحيص، من دون أن نكون، للحظة واحدة، غير مبالين بالأخبار والصور القادمة إلينا من منطقة الحرب في أوكرانيا: ثمة أطفال مصدومون، وأمواج من اللاجئين، ومشاهد للمباني التي دمرها القصف والخطر الذي يخيم على الأفق من أن تكون هذه مجرد البداية لكارثة إنسانية في قلب أوروبا.

    في الوقت نفسه، لا يمكن لأولئك منا الذي يختبرون، ويستوعبون، ويُبلغون عن الكوارث الإنسانية التي تحدث في فلسطين أن يفوتوا نفاق الغرب، الذي يمكننا أن نشير إليه من دون أن نقلل ولو للحظة من تضامننا الإنساني وتعاطفنا مع ضحايا أي حرب. ونحن بحاجة إلى القيام بذلك لأن التضليل الأخلاقي الذي يكتنف الأجندة المخادعة التي وضعتها النخب السياسية ووسائل الإعلام الغربية ستسمح لهم مرة أخرى بإخفاء عنصريتهم الخاصة وإفلاتهم من العقاب لدى استمرارهم في توفير الحصانة لإسرائيل وقمعها للفلسطينيين. وقد اكتشفتُ أربعة افتراضات خاطئة تقع في صميم تفاعل النخبة الغربية مع أزمة أوكرانيا، حتى الآن، وقمت بتأطيرها كأربعة دروس.

    الدرس الأول: اللاجئون البيض مرحب بهم؛ والآخرون أقل

    لا يمكن أن يمر قرار الاتحاد الأوروبي الجماعي غير المسبوق بفتح حدوده أمام اللاجئين الأوكرانيين، متبوعًا بسياسة أكثر انفتاحاً من بريطانيا، أن يمر مرور الكرام مقارنة بإغلاق معظم البوابات الأوروبية أمام اللاجئين القادمين من العالم العربي وإفريقيا منذ العام 2015. إن التحديد العنصري الواضح للأولويات، والتمييز بين الباحثين عن الحياة على أساس اللون والدين والعرق، هو شيء بغيض، لكن من غير المرجح أن يتغير قريبًا. حتى أن بعض القادة الأوروبيين لا يخجلون من نشر عنصريتهم علانية كما يفعل رئيس الوزراء البلغاري كيريل بيتكوف:

    “هؤلاء (اللاجئون الأوكرانيون) ليسوا اللاجئين الذين اعتدنا عليهم… هؤلاء الناس أوروبيون. هؤلاء الناس أذكياء، ومتعلمون. … هذه ليست موجة اللاجئين التي اعتدنا عليها -أناس لم نكن متأكدين من هويتهم؛ أشخاص لهم ماض غير واضح، والذين يمكن أن يكونوا حتى إرهابيين…”.

    وهو ليس وحده. تتحدث وسائل الإعلام الغربية عن “نوعنا من اللاجئين” كل الوقت، وتتجلى هذه العنصرية بوضوح على المعابر الحدودية بين أوكرانيا وجيرانها الأوروبيين. ولن يتغير هذا الموقف العنصري، ذو الدلالات القوية على معاداة الإسلام، لأن القيادة الأوروبية ما تزال ترفض النسيج متعدد الأعراق والثقافات للمجتمعات في جميع أنحاء القارة. وهي حقيقة إنسانية أوجدتها سنوات من الاستعمار والإمبريالية الأوروبيين، تنكرها الحكومات الأوروبية الحالية وتتجاهلها، لكنها تنتهج في الوقت نفسه سياسات هجرة تقوم على العنصرية نفسها التي تغلغلت في بنية الاستعمار والإمبريالية في الماضي.

    الدرس الثاني: يمكنك غزو العراق، ولكن ليس أوكرانيا.

    إن عدم رغبة وسائل الإعلام الغربية في تأطير القرار الروسي بالغزو ضمن تحليل أوسع -وواضح- لكيفية تغير قواعد اللعبة الدولية في العام 2003 هو أمر محير للغاية. من الصعب الآن العثور على أي تحليل يشير إلى حقيقة أن الولايات المتحدة وبريطانيا انتهكتا القانون الدولي الخاص بسيادة الدول عندما قام جيشاهما، مع تحالف من الدول الغربية، بغزو أفغانستان والعراق. لم يكن احتلال بلد بأكمله من أجل تحقيق غايات سياسية شيئاً اخترعه فلاديمير بوتين في هذا القرن؛ كان الغرب هو الذي قدمه كأداة مبرَّرة من أدوات السياسة.

    الدرس الثالث: في بعض الأحيان يمكن التسامح مع “النازية الجديدة”

    كما تفشل التحليلات أيضًا في تسليط الضوء على بعض النقاط المحقة والصالحة التي يتحدث عنها بوتين حول أوكرانيا؛ والتي لا تبرر الغزو بأي حال من الأحوال، ولكنها تحتاج إلى أن نمحضها اهتمامنا حتى أثناء الغزو. إلى الوقت الذي اندلعت فيه الأزمة الحالية، حذرتنا وسائل الإعلام الغربية التقدمية، مثل صحف “ذا نيشن”، و”الغارديان” و”الواشنطن بوست” وما شابه من القوة المتزايدة للجماعات النازية الجديدة في أوكرانيا، والتي يمكن أن تؤثر على مستقبل أوروبا وما وراءها. وتتجاهل هذه المنافذ الإعلامية نفسها الإشارة إلى أهمية صعود النازية الجديدة في أوكرانيا.

    في 22 شباط (فبراير) 2019 كتبت مجلة “ذا نيشن”:

    “اليوم، تكذّب التقارير المتزايدة عن عنف اليمين المتطرف والقومية المتطرفة وتآكل الحريات الأساسية نشوة الغرب الأولية. هناك مذابح ينفذها النازيون الجدد ضد الغجر، وهجمات متصاعدة على النسويات ومجموعات المثليين، وهناك الحظر على الكتب، وتمجيد المتعاونين النازيين برعاية الدولة”.

    وقبل ذلك بعامين، حذرت صحيفة “الواشنطن بوست” في (15 حزيران (يونيو) 2017)، بطريقة واعية ومتبصرة للغاية، من أن الصدام الأوكراني مع روسيا يجب أن لا يسمح لنا بنسيان قوة النازية الجديدة في أوكرانيا. وقالت:

    “مع استمرار حرب أوكرانيا ضد الانفصاليين المدعومين من روسيا، تواجه كييف تهديدًا آخر لسيادتها على المدى الطويل: الجماعات القومية المتطرفة اليمينية القوية. لا تتورع هذه الجماعات عن استخدام العنف لتحقيق أهدافها، في ما يتعارض بالتأكيد مع الديمقراطية المتسامحة ذات التوجه الغربي التي تسعى كييف، ظاهرياً، إلى أن تكونها”.

    ومع ذلك، تتبنى “الواشنطن بوست” اليوم موقف التجاهل والإنكار وتصف مثل هذا الوصف بأنه “اتهام كاذب”:

    “تعمل في أوكرانيا مجموعات قومية شبه عسكرية عدة، مثل “حركة آزوف” و”القطاع اليميني”، التي تتبنى أيديولوجية النازيين الجدد. وفي حين أنها بارزة، يبدو أنها لا تحظى بالكثير من الدعم الجماهيري. وهناك حزب واحد فقط من اليمين المتطرف، “حزب سفوبودا”، ممثل في البرلمان الأوكراني، وله مقعد واحد فقط”.

    كما أن التحذيرات السابقة لمنفذ إعلامي مثل “ذا هيل” (في 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017)، أكبر موقع إخباري مستقل في الولايات المتحدة، تُنسى أيضاً:

    “هناك بالفعل تشكيلات نازية جديدة في أوكرانيا. وقد أكد ذلك بأغلبية ساحقة كل منفذ غربي رئيسي تقريبًا. وحقيقة أن المحللين يتمكنون من إنكارها على أساس أنها دعاية تنشرها موسكو هي أمر مقلق للغاية. وهو مقلق بشكل خاص بالنظر إلى الموجة الحالية للنازيين الجدد والتفوقيين البيض في جميع أنحاء العالم”.

    الدرس الرابع: ضرب المباني السكنية ليس جريمة حرب إلا في أوروبا

    لا ترتبط المؤسسة الأوكرانية بهذه الجماعات والجيوش النازية الجديدة فحسب، بل إنها أيضًا موالية لإسرائيل بشكل مقلق ومحرج. كان أحد أول الإجراءات التي اتخذها الرئيس فولوديمير زيلينسكي هو سحب أوكرانيا من “لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف” -الهيئة الدولية الوحيدة التي تتأكد من عدم إنكار النكبة الفلسطينية أو نسيانها.

    وكان هذا القرار قد اتخذ بمبادرة من الرئيس الأوكراني الذي لم يكن ينطوي على أي تعاطف مع محنة اللاجئين الفلسطينيين ولا يعتبرهم ضحايا لأي جريمة. وذكر في المقابلات التي أجريت معه بعد القصف الإسرائيلي البربري الأخير على قطاع غزة في أيار (مايو) 2021، أن المأساة الوحيدة في غزة هي تلك التي عانى منها الإسرائيليون. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يعني أن الروس وحدهم هم الذين يعانون في أوكرانيا.

    لكن زيلينسكي ليس وحده في ذلك. عندما يتعلق الأمر بفلسطين، فإن النفاق يصل إلى مستوى جديد. لقد هيمنت ضربة لمبنى سكني فارغ واحد في أوكرانيا على الأخبار وأثارت تحليلات عميقة حول الوحشية البشرية، وبوتين، واللاإنسانية. يجب إدانة هذا النوع من القصف، بطبيعة الحال، ولكن يبدو أن أولئك الذين يقودون هذه الإدانة بين زعماء العالم كانوا صامتين تماماً عندما دكت إسرائيل مدينة جنين وسوتها بالأرض في العام 2000؛ وحي الضاحية في بيروت في العام 2006، ومدينة غزة في موجة وحشية تلو الأخرى خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية. ولم تتم مناقشة أي عقوبات على الإطلاق، ناهيك عن فرضها على إسرائيل بسبب جرائم الحرب التي ارتكبتها في العام 1948 وكل الوقت بعد ذلك. في الواقع، في معظم الدول الغربية التي تقود العقوبات ضد روسيا اليوم، حتى مجرد ذكر إمكانية فرض عقوبات على إسرائيل هو أمر غير قانوني ويتم تأطيره على أنه معاد للسامية.

    حتى بينما يتم التعبير عن تضامن إنساني حقيقي في الغرب بشكل عادل مع أوكرانيا، فإننا لا نستطيع التغاضي عن سياقه العنصري وانحيازه المتمركز حول أوروبا. إن التضامن واسع النطاق للغرب محجوز فقط لمن يرغب في الانضمام إلى كتلته ودائرة نفوذه. ولا يمكن العثور على هذا التعاطف الرسمي في أي مكان عندما يكون عنف مماثل، وأسوأ منه، موجهًا ضد غير الأوروبيين بشكل عام والفلسطينيين على وجه الخصوص.

    يمكننا أن نشق طريقنا، كأشخاص بضمائر حية، بين استجاباتنا للكوارث ومسؤوليتنا لكي نشير إلى النفاق الذي مهد الطريق من نواح كثيرة لحدوث مثل هذه الكوارث. إن إضفاء الشرعية على غزو الدول ذات السيادة دوليًا وإجازة الاستعمار والقمع المستمرين للآخرين، مثل فلسطين وشعبها، سيؤدي إلى المزيد من المآسي، مثل المأساة الأوكرانية، في المستقبل، وفي كل مكان على كوكبنا.

*أستاذ بجامعة إكستر. كان سابقًا محاضرًا كبيرًا في العلوم السياسية بجامعة حيفا.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Navigating our Humanity: Ilan Pappé on the Four Lessons from Ukraine

عن صفحة:  بانتظار غودو على الفيسبوك

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: إيلان بابيه - ترجمة: علاء الدين أبو زينة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *