أحمد وغسان: لماذا تركتما المخيم وحيداً؟

 

منذ عام، وفي معمعان الثورة السورية، توطدت صلتي، وأنا في الغربة، بمجموعة من الشباب الرائعين في مخيم اليرموك، بعد أن أتاحت وساط التواصل الاجتماعي ذلك، وكان أحمد واحداً منهم. طوال تلك الفترة كان يجمعنا همّ مشترك، وأمل مشترك، وفي غضون ذلك كنت أتمنى ان تخلص هذه المحنة كي أتمكن من العودة للتعرف على هؤلاء الشباب، وجها لوجه، بعد أن تعلقت بهم، كأنني أعرفهم من زمن بعيد.

مع ذلك فإن قصّتي مع أحمد كانت مختلفة، فقد بدا لي عفويا أكثر، وصريحا أكثر، وجريئا أكثر، وشابا مفعما بالحيوية والأمل، ويميل إلى التمرد، وهذا كله مع نزعة الى السخرية من الواقع، وميل الى المخاطرة. حتى إنه كتب على صفحته في “فيسبوك” بمناسبة العام الجديد: “قالوا لي شو بتتمنى بالسنة الجديدة..ساعتها تذكرت انو صرنا بسنة جديدة..هههههههههه تفووو يا زمن..يا رصاصة الرحمة ايمتى دوري..”

كان أحمد (تولد 1988) من أبرز ناشطي حركة فتح الشباب في مخيم اليرموك، ومع ذلك فإن أوضاع هذه الحركة لم تسلم من انتقاداته، التي ماكانت ترضي كثيرين. مع انطلاقة الثورة السورية بدا احمد شخصا مختلفا، إذ تغير كل شيء بالنسبة له، أولوياته وحياته، وهكذا كرس لهذه الثورة، نشاطه، ما عرّضه للاعتقال مرتين، أولاهما أسبوع، والثانية أشهر عدة.

مع تطور الثورة السورية، وقصف النظام لمناطق الحجر الأسود والتضامن والتقدم ويلدا، منذ صيف العام الماضي، تحول مخيم اليرموك الى حاضنة لأهالي تلك المناطق المنكوبة، وفي هذه المحطة اشتغل أحمد مع رفاقه في أعمال الإغاثة، التي اشتغلت بتقديم الخدمات في المخيم، بما فيها النظافة العامة، وصولا الى الاسعافات وتقديم المواد الغذائية للمحتاجين، فضلا عن تأمين الرعاية لهم.

لم يترك احمد المخيم، ،بعيد قصف “الميغ” لمخيم اليرموك أواسط الشهر الماضي، والتداعيات التي حدثت بعدها من دخول “الجيش الحر” الى المخيم، والسيطرة عليه، بعد إخراج قوات النظام وجماعة جبريل الموالية منه، الأمر الذي كانت من عواقبه مغادرة سكان المخيم من فلسطينيين وسوريين هائمين على وجوههم خوفا من بطش النظام وقصفه الصاروخي من الجو والبر. لم يغادر احمد المخيم وبقي فيه، وعمل مع رفاقه في العمل الإغاثي وحماية البيوت، ومتابعة حاجات الناس، وكان يرى بأن “مشكلة مخيم اليرموك بتنحل لما بتنحل مشكلة حمص و داريا و درعا و ادلب و حماة”، بحسب ماكتب على صفحته. وفي الغضون لم يخف أحمد نقده بعض السلوكيات الغلط ل”الجيش الحر”، وعن ذلك كتب على صفحته: “ههههههههه والله شكلنا راح نقضيها معارضين على الطرفين”. في يوم الاثنين (7/1) قضى احمد، بعد أن طالته رصاصة غادرة من قناص مجرم، وهو يساعد بعض الأهالي من العائدين الى المخيم، الذي يخضع لحصار الحواجز العسكرية والقناصة، رصاصة أخذت أحمد، وعلى حين غرّة رحل عن دنيانا.

وقد شكّل هذا الخبر صدمة لي، إذ حاولت أن لا أصدقه، وقاومت ذلك بشدة، لاسيما أننا كنا قبل ساعات في حديث عن مشاكل المخيم، وأحوال سوريا وثورتها، وكنت تمنيت عليه ان يفكر كثيرا بتحركاته، وأن لا يذهب إلى المخاطرة بحياته. وفي الحقيقة فقد كان أحمد أكثر واحد، بين الشباب، احرص على ان اوصيه بذلك، لإحساسي بلامبالاته، وبميله إلى المخاطرة. لكن احمد كان كمن يمشي نحو قدره، هكذا ذهب أحمد.

لم يكن احمد مباليا بالموت، كان من هؤلاء الشباب الذين يضجون بالحياة، وبالسخرة منها، وكان خبر الموت، مع استشهاد عدد من اصدقائه في الفترة الماضية، إن في الجولان، او في الميدان (حارة دمشقية) او في مخيم اليرموك. وقد صدف أن نعى أحمد صديقه بلال الذي كان استشهد، في قصف طائرة الميغ، بالكلمات التالية: ” كنت اعرفو بالشكل قبل الثورة..بعد الثورة اول خناقة تخانقتها معاه عل طلعة الجولان بدو يطلع ومتحمس..التقيت فيو عند الخندق…قصّيت السياج أنا وياه وشب تالت..التالت استشهد هناك ماكنا نعرفو وبكينا انا وياه عليه..واتفقنا نهتف ضد النظام تاني يوم بالتشييع..صرنا نكتب عل الفيس بوك بشكل صريح ضد النظام عشان ما يقولوا مندسين..بعدين صرنا نلتقي بمظاهرات الميدان..صار بلال بعدين يشتغل بالمناشير..شاف بخّ على الحيطان قرّر يعمل متلنا ويبخّ..طلع معو شبين ليبخّو..كل المخيم كان يعرف يومها انو طالعين يبخو..اجهزة الامن بكل فروعا صار عندها خبر انو الليلة بلال طالع يبخ..طلعو يبخّو..4 ساعات مستمرين بالبخ المتواصل..انمسكو وانحبسو وانحط كل بخ المخيم فيهن..رجعنا وهن محبوسين بخّينا اكتر عل الحيطان عشان ما ينحط كل بخّ المخيم فيهن..طلعو بالسلامة الشباب بعد ما داقو الويل..وهو صار أعند..وكمل بالمظاهرات وبلش بالإعلام..وصار يشتغل بالإغاثة..قبل بيوم ما يستشهد كنت قاعد انا وياه..تاني يوم انقصف المخيم بالميغ ..اختفى بلال استشهد بلال بالصاروخ..جنب الجامع..بهالسنة الجديدة نيالك يا بلال لأنك شهيد ..والله بحبك يا عرص.”

هذا هو أحمد، الفلسطيني السوري, السوري الفلسطيني، الذي عاش على أمل حرية السوريين والفلسطينيين بكل جوانحه، حتى غادرنا فجأة، برحيل موجع..حقا، أمثال احمد لايمكن نسيانهم، لكأن محمود درويش، عندما كتب قصيدته عن تل الزعتر كان يحكي عن كل المخيمات، وعن أحمد كوسا الشاب الشهيد الذي قضى في مخيم اليرموك ذات يوم اثنين، في السابع من كانون الثاني.

“وأحمد ..كان اغترابَ البحر بين رصاصتين

مُخيّما ينمو ، و ينجب زعتراً ومقاتلين

كان اكتشاف الذات في العرباتِ في ليل الزنازين الشقيقةِ

قي العلاقات السريعة والسؤال عن الحقيقهْ

في كلِّ شيء كان أحمد يلتقي بنقيضهِ

كان المخيّم جسمَ أحمدْ..كانت دمشقُ جفونَ أحمدْ

صار الحصارُ هُجُومَ أحمدْ ..يا أحمدُ اليوميّ !

يا أحمد العاديّ !

فاذهب عميقاً في دمي اذهب عميقاً في الطحين

لنُصاب بالوطن البسيط و باحتمال الياسمين..”

وداعا ياغسان

هكذا بات الموت حدثا عادياً في سوريا، ففي كل يوم ثمة مئة او مئتين أو ثلاثمئة شهيد..ثمة قصف للتجمعات عند الأفران، ومحطات المحروقات، والجامعات والطرق والأسواق، من طائرات، ومدفعية، كما ثمة قنص أيضا.

هكذا قتل غسان الشهابي، الناشر والصحفي، ومدير دار الشجرة، برصاصة قناص وهو يقود سيارته داخلا الى مخيم اليرموك، يوم السبت الماضي (12/1). ربما ثمة احد لم يعرف معنى القنص، او لا يتصوره. هذا ليس قتلا بالصدفة، بل قتلا متعمدا، ومبرمجا. هذا ليس قتلا في سياق معركة، وإنما قتلا من طرف واحد. هذا قتلا من اشخاص خالين من اية احاسيس او مشاعر انسانية، إذ هؤلاء يقتلون من وراء ستار أو من وراء جدار، او من سطح بناية. فقط يوجهون بندقيتهم، ويقتلون لمجرد القتل، لمجرد الكره، والإقصاء

. بهذه الطريقة قتل افضل الشباب في مدن وساحات وشوارع سوريا، بهذه الطريقة يتخلص نظام الطاغية من النشطاء، وبهذه الطريقة قضى غسان.

لم يكن غسان من حملة السلاح، كان أبا لطفلتين، وكان يعمل في مجال الثقافة والصحافة، والعمل العام، وضمنه العمل الإغاثي، وقد تميّز بلطفه، وطيب معشره، ووجهه الباسم، وكانت دار الشجرة بمثابة مركز ثقافي، او ملتقى للمثقفين والنشطاء في مخيم اليرموك.

في ذلك اليوم قتل، أيضا، سبعة أشخاص في مخيم اليرموك برصاص القناصة، ضمنهم طفل بعمر ثلاثة أعوام (قصي عزيمة)، وقد بلغ عدد الفلسطينيين الذين ذهبوا ضحية رصاص القناصة حوالي 115 في حين ذهب ضحية القنص، أو القصف، بالمدافع نحو 236 شخصا، من مجموع 850 من الضحايا الفلسطينيين (نصفهم في مخيم اليرموك وما حوله). لكن هذا مايجري في سوريا كلها، أي أن ما جرى في مخيم اليرموك جرى سابقا في درعا وحماه وحمص وحلب وداريا والزبداني ودوما والقابون وبرزة.

منذ أواسط الشهر الماضي خضع مخيم اليرموك لحصار مشدد بالحواجز العسكرية، وبالقناصة من الاسطح المجاورة، حيث يتم منع ادخال اية مواد تموينية او صيدلانية او محروقات الى داخله، علما ان نحو 30 بالمئة من سكانه بقوا فيها ولم يغادروه، لأنه ليس لهم مكان اخر، او لأنهم لايملكون القدرة او الامكانية على المغادرة.

هكذا رحل غسان..بالطريقة ذاتها التي رحل بها احمد، ومئات من الفلسطينيين والسوريين، اي برصاص القنص. هكذا سنفتقد غسان بدفئه وابتسامته ومشاريعه ولقهوته وجلساته الاليفة في دار الشجرة.

في الغضون ثمة بعض مثقفين فلسطينيين مازالوا لايرون الحقيقة، مع الأسف. هؤلاء يقتلون الضحايا ومنهم غسان واحمد مرة ثانية بإنكارهم حقيقة القاتل. وفي الواقع فمن لم يرى شعب سوريا يقتل لن يرى من يقتل الفلسطينيين قصفاً او قنصاً..ومن لم ير طائرات ومدفعية النظام تدمر في مدن حمص وحلب ودرعا وادلب ودوما وداريا والزبداني وبرزه والقابون لن يراها تدمر في مخيم اليرموك او مخيم درعا. وداعا غسان..ستبقى في الذاكرة..في ذاكرة المخيم، وفي ذاكرة السوريين والفلسطينيين….

(مادة نشرت قبل 5 سنوات (20/1/2013 في “نوافذ” المستقبل) وهذه تحية للعزيزين أحمد وغسان وكل احبتنا شهداء المخيم.، ،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *