(أحلام لمنفى جديد) في ذكرى اليرموك


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

فتح اللاجئون القدامى في اليرموك بيوتهم للاجئين جدد لأنهم بعد قصف أو أثنين، يوم أو اثنين سيعود اللاجئون الجدد إلى بيوتهم من جديد، وتمنوا أن يتوقف نزف الدم الذي يلطخ البلد كله، لأن جيرانهم الطيبين لا يستحقون القذائف التي تسقط عليهم من المدافع والطائرات الوطنية.

اعتقد الفلسطينيون أنهم مؤقتون في مكان مستعار من أخوتهم السوريين، يعرفون أن المكان ليس مكانهم، لذلك فتحوا أبوابهم لأصاحب المكان القادمين من الجوار بفعل وحشية قصف النظام الذي وعد بتحرير فلسطين من الصهاينة، لكنه خاض حربه ليحرر سورية من السوريين. تقاسم الفلسطينيون والسوريون من جديد ما تقاسموه عندما اختفت فلسطين في حفرة التاريخ.

اليرموك قصة حب بين لاجئين ومدينة، حيث جبلوا حياتهم مع طين المكان، ليعيدوا بناء فلسطينهم من أجسادهم الحية، والتي لم يملكوا غيرها ومساعدة الأونروا، كانوا بحد ذاتهم أوطان تتنقل في أوطان الآخرين، فكانت فلسطين حارة وبقالية ومسجد، يافا وحيفا والقدس وصفد والجاعونة والطيرة ولوبية… وغيرها من جغرافيا فلسطين المحمولة على مواويل الأمهات التي علمت الأطفال المولودين في المخيم أنهم جاءوا من مكان أجمل من الجنة. ولدوا من المكان بعيداً عنه فلم يشّتموا رائحة الفجر في وطن طردوا منه، لكنهم لم يكونوا أقل اخلاصاً له، فحولوا كل شيء في العالم إلى مؤقت، الأماكن، البشر، الأحلام، الزيجات، الحب، السكن…

تطابقت حياة الفلسطينيين مع بطاقة بلاستيكية مربعة اخترعتها سلطة جائرة، تقول أنها «بطاقة أقامة مؤقتة للاجئين الفلسطينيين». نعم تناسل اللاجئون لاجئين، كلهم انتموا إلى العام 1948 الذي حملوا فيه أجزاء وطنهم ليعيدوا اختراعه في أراضي الآخرين، حتى الذي ولد في عام 2000 كتب في سجلاته «لجأ إلى سورية عام 1948» هذا مجاز الواقع الذي تجاوز كل مجاز شعري. لم يحب الفلسطينيون تعبير «اللاجئ» في الوقت الذي أحبوا تعبير «المخيم» مع أن الاثنين يقولون شيئاً واحداً، أنه كان لجوء.  ليس لأنهم يرغبون البقاء في أوطان الآخرين، بل لأن «اللاجئ» عمقت الجرح وجرحت من ولد بعد اللجوء وانتمى اليه، بينما عني تعبير «المخيم» المؤقت الفلسطيني العابر إلى الفردوس المفقود.

انتظر الفلسطينيون في المخيم الذي حملوا إليه مفاتيح بيوتهم المتروكة وأسماء مدنهم وقراهم وأحبتهم وأحلامهم، أن يكون المخيم وطنهم المؤقت في الطريق إلى الفردوس المفقود، إن لم يكن الآن، ففي جيل قادم، رضعوا المكان القديم من صدور أمهاتهم من حكايتهن عن الفردوس، الذي طردهم منه من ادعوا أن الله قد أعطاهم أملاك الفلسطينيين الحديثة قبل ثلاثة آلاف عام.

في انتظار الفلسطينيين الطويل في المخيم الذي جبلوه بأرواحهم، لأنهم كانوا يشعرون كل سورية للسوريين، بينما المخيم، المكان الصغير المؤقت فقط لهم، لذلك كان المخيم لهم أكثر من وطن وأقل من فردوس. وعندما خبزت الطائرات السكان فلسطينيين وسوريين بدمهم، معلنة بدء قيامة لجوء كبرى. في اليوم التالي، كانوا يمشون سوية، سوريون يحملون مفاتيح بيوتهم في المخيم، وفلسطينيون يحملون مفاتيح بيوتهم في المخيم ومفاتيح بيوتهم في فردوسهم المفقود. عادوا ليحملوا أحلامهم في صرر ثيابهم المربوطة على عجل لرحيل جديد. وبات فلسطينيو اليرموك المنثورين في كل أصقاع الأرض، يبحثون في منافيهم عن أماكن ليفتحوا صُرر أحلامهم التي لا تنتهي.

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: سمير الزبن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *