أحاديث خاصة لـ «القدس العربي»: مثقفون فلسطينيون يشرحون دعوتهم لإعادة بناء منظمة التحرير وصب مضامين جديدة فيها

الناصرة ـ«القدس العربي» من وديع عواودة: يرى مثقفون فلسطينيون في الوطن والشتات في أحاديث لـ “القدس العربي” أن دعوة “ملتقى فلسطين” لإعادة انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني تأتي من أجل دفع القضية الفلسطينية للأمام وليست ردّ فعل على مخطّط الضم، كونها أكثر عمقا وإستراتيجيا ومحاولة لمراكمة الضغط على القيادات الفلسطينية لصياغة رؤية فلسطينية جامعة وضمان تمثيل كل مكونات الشعب.

وكان المئات من الفلسطينيين قد وقعوا حتى الآن على نداء أطلقه “ملتقى فلسطين” (مبادرة تأسست قبل بضعة أعوام للحفاظ على وجود بيت فلسطيني جامع) قبل أيام من أجل إعادة انتخاب مجلس وطني فلسطيني بمشاركة كل الفلسطينيين في الوطن والشتات والمهجر.
ويرى منسق ملتقى فلسطين ” الكاتب السياسي ماجد كيالي (فلسطيني من مواليد سوريا ويقيم منذ سنوات في إسطنبول) أن فكرة النداء او العريضة أتت لأن الحوارات والاتفاقيات الفلسطينية لم تنجح، وان اللقاء او توحيد الجهود في مواجهة التحديات وضمنها مؤخرا “صفقة القرن” وخطة نتنياهو للضّم ايضا لم تنجح في استعادة وحدة الجسم الوطني الفلسطيني. لافتا لوجود سلطة في الضفة وأخرى في غزة، لذا بقي تحريك الرأي العام صاحب القرار وهو الذي يحسم في التوازنات الداخلية وايضا هو من يقرر الخيارات الوطنية والكفاحية وليس هذا الشخص او ذاك، هذا الفصيل او ذاك. وردا على سؤال لماذا يغفل نص النداء عن سؤال حلّ الصراع؟ يوضح كيالي أن النداء الموقع من شخصيات فلسطينية في 48 والضفة وغزة والقدس وبلدان اللجوء والشتات ينطلق من وحدة شعب فلسطين ووحدة قضيته ووحدة أرضه، من دون تحديد الشكل، لأن المهم استرجاع الحقوق الوطنية، والفردية والجمعية، وتقويض المشروع الاستعماري الاستيطاني العنصري الذي تتمثله إسرائيل بسياساتها.
ويعتبر أن الشكل مرهون بالتطورات والوقائع، بما في ذلك في فلسطين التاريخية وما حولها، سيما في المشرق العربي، وأنه من المهم التأكيد على الرواية التاريخية ووحدة شعب فلسطين ومستقبله المشترك مع التأكيد على الحقوق الوطنية والحقوق الفردية والجمعية، والمطابقة بين الشعب والأرض والقضية.
وردا على سؤال آخر عما إذا كان القول “استراتيجية الصراع من أجل الأرض كلها” يستنتج من ذلك أن منتدى فلسطين يدفع نحو الدولة الواحدة، قال كيالي إن أحدا لا يراهن أن ذلك سيتحقق بمجرد اطروحات نظرية، لكنها مساهمة في تعزيز ثقافة سياسية وأنها تؤكد ضرورة التغيير السياسي.
ويضيف “قضية الفلسطينيين واحدة اينما كان الموقعون ومن أراضي 48 أيضا. كما تكمن أهميته من أن الموقعين من الفئات التي تضع مصلحة شعب فلسطين فوق مصلحة الفصائل ومن تحويل الأصوات الفردية النقدية الى صوت جماعي”.
وحول وجود من يعتبر أن منظمة التحرير باتت هيكلا متقادما ولا بد من جسم جديد، ردا على ذلك يقول كيالي إن في ذلك بعض الحقيقة بحكم تحول حركة التحرر الوطني الفلسطيني الى سلطة في الضفة وغزة، وبحكم تهميش المنظمة لصالح السلطة، وبحكم طريقة إدارة الوضع الفلسطيني وأيضا بحكم الظروف العربية والدولية السائدة الآن.

الهيكل والمضمون

وفي نقطة الهياكل القديمة والجديدة يشير الأستاذ الجامعي الدكتور سري نسيبة ابن مدينة القدس، أن هناك هيكلا وهناك مضمونا، وينبه لكون هذا الهيكل (منظمة التحرير) معترفا به دوليا وأنه من الحكمة ألا يتم تجاهل الإنجاز المتمثل بذلك.
ويرى أن السؤال هو هل يمكن استخدام هذا الهيكل المعترف بها عالميا وتضمينه مشروعا وطنيا جديدا من خلال إعادة بثّ الحياة فيه وإشراك دم فلسطيني جديد في شرايينه وبالتالي الخروج بأفكار جديدة؟
ويؤكد نسيبة على حيوية إنجاز ما لم ينجز في السابق من ناحية الأخذ بالاعتبار الفلسطينيين المنتشرين في العالم ويعيشون في ظروف مختلفة. ويتابع “ربما ينظر لذلك للوهلة الأولى وكأنها نقطة ضعف لكنها في الواقع نقطة قوة لأنها تتيح الاستفادة من تجارب المجموعات الفلسطينية المختلفة من أجل تصميم رؤية جامعة تحافظ على شعبنا وعلى روايته وتسعى لرفع شأنه وإيصاله تدريجيا لمستوى من العدالة التي يستحقها . من الضروري إشراك الكل الفلسطيني من خلال عملية ديمقراطية “.
وينبه الدكتور سري أن هذا النداء لا يتعلق بموضوع الضمّ كونه أكثر عمقا وأكثر إستراتيجية وأنه يأتي من باب مراجعة الفلسطينيين لتاريخهم منذ 1948 ، لافتا لكون الضمّ أمرا جزئيا في حال تم النظر للمشهد الفلسطيني العام. ويؤكد على كون نداء “ملتقى فلسطين” دعوة لإحياء المنظمة لدواع عميقة واستراتيجية تأخذ بالحسبان إشراك مكونات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات والمهجر بغية تصميم تصور أو رؤية مستندة لدراسة موضوعية لتاريخه حتى الآن، في مراجعة كاملة.مشددا على أن “الدعوة الآن لانتخاب مجلس وطني هي نقطة بداية في حركة متصاعدة تشمل كل الفلسطينيين وهي حركة تحتاج لأكثر من أسابيع وشهور لكن لا بد من إطلاقها وأن نكون كفلسطينيين واعين وقادرين على الرؤية السياسية بالشكل الأفضل لتحديد مسارنا”.
وردا على سؤال حول احتمال إثارة حساسيات محلية بإشراك بعض الجماعات الفلسطينية في الانتخابات كالفلسطينيين في مناطق 1948 ، يرى الدكتور نسيبة أن إشراك هؤلاء أمر صحيح جدا مع البحث عن وسيلة لتطبيق ذلك دون أن يتعارض مع انتماءاتهم وهوياتهم المحلية أو الجديدة إن كانوا في تشيلي أو الأردن أو في إسرائيل أو إن كانوا بدون انتماءات جديدة- لأن هناك انتماءات وطنية – ثقافية أو تاريخية أو لغوية لدى المجموعات الفلسطينية. ويتابع “نحتاج لصيغة تتيح للفلسطيني أينما كان كي يستفاد أيضا من خبراته في تصميم الرواية الجامعة وفي النقاش السياسي المطروح”.
وبشأن الفلسطينيين في إسرائيل يشير نسيبة الى ضرورة أن يتم إشراكهم في الانتخابات لمجلس وطني جديد بعيدا عن شعارات براقة عفا عليها الزمن، ويرى أنه لا بد أن يكون هناك توافق على أن المشاركة هذه تعني عدم وجود تناقض بينها وبين “المواطنة الإسرائيلية” على مبدأ أنهم يشاركون شعبهم في بحره الأوسع بهدف المساهمة في تصميم رواية. ويضيف “بالعكس ربما تكون هذه المشاركة مفيدة مستقبلا من ناحية الصراع وحله”.
وحول السؤال ماذا سيحصل لاحقا؟ يخلص نسيبة الى القول إن هذا موضوع آخر وإن هذا النداء هو نقطة بداية في رفع درجة الضغط على القيادات الفلسطينية من داخل وخارج المنظمة وإشعار الجميع من قبل الجميع بأن هذه المؤسسة التي تمثّل ولو اسميا الشعب الفلسطيني يجب أن تكون تمثيليتها أوسع. ويستطرد “هناك حاجة لخطوات أخرى مستقبلا ليتراكم الوعي والدفع نحو إعادة فتح شرايين الحياة داخل منظمة التحرير لتصبح قادرة على تمثيل الشعب”.

تعزيز المناعة

وبما يخص السؤال حول مشاركة الفلسطينيين في إسرائيل في انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني يرى الدكتور عامر الهزيل، من النقب داخل أراضي 48 ، أن مشاركتهم سائر أبناء شعبهم مفيدة لهم أيضا من ناحية تثبيت هويتهم وبقاء أجيالهم متصالحين مع ذواتهم واثقين من أنفسهم. معتبرا ذلك أيضا فرصة لزيادة مناعتهم في وجه تهديد تفشي العنف والجريمة.
كما يرى أن أعضاء “ملتقى فلسطين” توافقوا منذ البداية على عدم طرح صيغة الحل دولتين أم دولة، أم الصراع على المواطنة والجنسية في أطار دولة الأبرتهايد التي سترسخها خطة ترامب والضم في ظل ترهل الواقع الفلسطيني والعربي.
وبشأن إمكانية انتخاب مجلس وطني جديد بواسطة الإنترنت يرى الهزيل وهو باحث في علم الاجتماع، أنه من ناحية المبدأ والتطور التكنولوجي هذا أمر ممكن رغم مصاعب التطبيق على الأرض.
وهذا ما تؤكده أيضا الدكتورة كارول دانيال – كسابري بنت الناصرة- القدس المقيمة اليوم في الولايات المتحدة، وتعتقد بوجود فرصة سياسية وتقنية حقيقية لانتخابات لدى أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن وكل العالم، لا سيما أن هناك أعدادا كبيرة جدا من الشباب الخبراء والمثقفين الفلسطينيين القادرين على توفير حلول تقنية للانتشار الواسع للشعب الفلسطيني في العالم.وفي الوقت نفس ترى كسبري أن التغيير يقتضي تأمين قاعدة شبابية تستبدل القيادات الفلسطينية التقليدية تمهيدا لبناء جسم جديد وللتخلص من ظاهرة الفساد والتبعية.
وتضيف “عندنا عدد كبير من الشباب والمثقفين ممن يتقنون التعامل مع التكنولوجيا، وفي أطروحة الدكتوراة التي أجازتني بالشهادة تعرفت على طاقات الإبداع والحكمة والتكتيكات الشعبية المتراكمة لدى الشعب الفلسطيني، لكن شعبنا للأسف مكمم ويمنع من التعبير عن نفسه كما يجب. الكل غير راض من المنظومة السياسية الفلسطينية القائمةن وهناك أزمة ثقة بين الشعب وبين القيادة وحتى مع النخب أيضا. لكن لا بد الآن من العودة لإطار نعرفه ومتفق عليه ونشحنه بطاقات جديدة.
وتوضح أنها وقعت هذا النداء لعدة اعتبارات وهي على قناعة بأن إسرائيل غير معنية بتسوية الصراع وأنه لا يوجد حل في المنظور القريب.
وتنوه أنها منذ تسعينيات القرن الماضي كانت ترى بالدولة الواحدة الحل الممكن الوحيد لأن “الدولتين” لم تكن يوما حلا بالنسبة لطرفي الصراع ومستقبلا أيضا لن يتحقق. الدكتورة التي أنجزت أطروحتها حول تكتيكات الصمود المتمثلة بالمقاومة الفلسطينية اليومية وتأثيرها على القوة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، تعلل رؤيتها بالقول “المستوطنون لن يتركوا مستوطناتهم والإسرائيليون لن يتنازلوا عن البلاد من بحرها إلى نهرها، وقضايا القدس والحدود لن تحل ولذا فإن التسوية الممكنة الوحيدة تأتي في نطاق دولة واحدة أو “دولتين وبلاد واحدة “.
في المقابل توضح كسبري أن جزءا كبيرا من الفلسطينيين لن يتنازلوا عن أراضي 1948 وأن الصراع لن ينتهي بإقامة دولة فلسطينية في حدود 1967، وكذلك الحال لفلسطيني الداخل المتمسكين ايضا بالقضية والذين يمثلون الآن أكثر من 20%. وتستنتج من هنا أن الحل الممكن هو أحد أشكال الدولة الواحدة وهو ربما يتحقق فقط في الأجيال القادمة، وحتى ينضج سيستمر الصراع إلى أن يستقر الحال بعد عقود.
أما بشأن فكرة استبدال منظمة التحرير الفلسطينية بهيئة وطنية جامعة فترى كارول أن هذا ممكن في مرحلة مستقبلية لكن الآن ينبغي الاحتفاظ بمنظمة التحرير الفلسطينية خاصة أن الساحة الفلسطينية ما زالت عالقة في خلافات واختلافات كبيرة ناهيك عن وجود وطن ومنفى. وتضيف “حتى نحن في منتدى فلسطين كـمثقفين غير متفقين على رؤية واحدة لكننا متفقون على منظمة التحرير رغم موافقتي على أنها تقادمت”.
ويوضح الكاتب والناشط السياسي الداعم لحل ” دولتان في بلاد واحدة ” عوني المشني من بيت لحم، أن البيان لم يغفل حل الصراع بل وضع الأساس له وهو تحقيق الحقوق الفردية والجمعية للشعب الفلسطيني كوحدة سياسية ووطنية. منوها أن النداء لم يضع تصورا حول الشكل لان ذلك مرتبط بالظروف الموضوعية المتطورة وموازين القوى وعوامل مختلفة وهذه مسؤولية قيادة وطنية جامعة لمنظمة التحرير بعد إعادة بنائها.
وحول سؤال عن الحل يضيف المشني “نحن في البيان نؤكد على ثوابتنا الجامعة التي تشكل أساس وحدة شعبنا، والمطابقة بين الأرض والشعب والقضية. هذا هو الأساس، لم نحدد ماهية شكل الحل ولكن اشتراطنا هو تحقيق حقوق شعبنا كاملة، سواء عبر دولة او دولتين او اي حل آخر، فالاهم ان يضمن الحل حقوق شعبنا كاملة وبدون انتقاص. كما أسلفت شكل الحل النهائي يتحدد تبعا للظروف والمعادلات ولكن بما لا ينتقص من تلك الحقوق . هذه المرحلة ليست مرحلة حلول هي مرحلة كفاح وطني والهجمة الاسرائيلية الأمريكية لم تترك مجالا للحلول او حتى للتفكير فيها”.

ليست هيكلا مؤسساتيا

وهناك من يقول إن الحل الأنسب يكمن في بناء مؤسسات جديدة لأن منظمة التحرير وبقية الهياكل باتت متقادمة؟ على هذا السؤال يرى المشني أن منظمة التحرير الفلسطينية ليس هيكلا مؤسساتيا يمكن استبداله بل هي تعبير عن كينونة وهوية ومسيرة كفاحية للشعب الفلسطيني.
ويتابع “منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، كل شعبنا، إعادة بنائها لتتطابق بشكلها مع الأساس الذي قامت عليه مسؤولية وطنية، بمعنى يجب ان يعاد بناؤها بمشاركة كل الفلسطينيين في الوطن والشتات، وثانيا ان يكون التمثيل ديمقراطيا وليس محاصصة، وثالثا ان يكون الأساس السياسي لهذه المنظمة هي ثوابت شعبنا الجامعة، وقد دفع شعبنا تضحيات جسيمة للحفاظ على هذه المنظمة وتعزيز دورها ولن نقبل لا باختطافها من قبل أحد ليهيمن عليها ويستفرد بقيادتها، في المقابل لا نقبل لأحد ان يتجاوزها او يعمل على إنشاء بديل لها. منظمة التحرير هي إرث كفاحي لشعبنا كل شعبنا وهي هويته المعنوية وبيته الجامع “.

Author: أجرى الحوار وديع عواوده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *